في كل سنة، تفتح وزارة الثقافة خزائنها. ملايين الدراهم تنزل كالمطر على منصات الغناء، تضيء الساحات وتملأ الشاشات. في المقابل، تقف مهرجانات الكتاب والشعر والمسرح أمام أبواب موصدة، تبحث عن درهم دعم فلا تجده. المشهد يطرح سؤالاً مشروعاً: هل الثقافة عندنا هي الطرب فقط؟ ولمن تفتح خزائن الثقافة فعلاً؟

يكفي أن نقارن بين ميزانية مهرجان غنائي واحد يستقطب نجوم الصف الأول، وبين ما تحصل عليه عشرات الجمعيات الثقافية في السنة كلها. المهرجان الغنائي يمنح الملايين مقابل ثلاث ليال من الصخب. أما معرض الكتاب المحلي فيمد يده للمحسنين ويستجدي القاعات من الجماعة.
النتيجة واضحة: الدعم يتجه حيث الضجيج أعلى والصور ألمع. الطرب يحظى بالرعاية لأنه “يبيع” ويصنع “البوز”. الكتاب يمنع عنه الدعم لأنه لا يجلب الحشود ولا يتصدر الترند. هكذا تتحول الثقافة من مشروع بناء للعقول إلى استثمار في الترفيه السريع.
لا أحد ضد الغناء. الطرب جزء من هويتنا ومن ذاكرتنا الجماعية. لكن الخطر يبدأ عندما يصبح هو التعريف الوحيد للثقافة في عيون من يوزع الدعم. عندما يختزل الفعل الثقافي في حفلة، تفرغ السياسة الثقافية من مضمونها.
المهرجان الغنائي يستهلك المال ثم ينتهي. أثره لحظي: تصفيق، صور، ثم صمت. أما المهرجان الثقافي فينتج: كاتب جديد، قارئ جديد، نقاش جديد. الأول يخدر، والثاني يوقظ. دعم الأول ومنع الثاني هو اختيار واضح بين التخدير والإيقاظ.
الخزائن تفتح لمن يضمن “النجاح الجماهيري” بمفهومه الكمي. تفتح لمن يقدم صورة بلد فرحان وراقص، صورة تصلح للنشرات الرسمية. أما من يقدم سؤالاً، أو نقداً، أو كتاباً يفكر، فهو مشروع إزعاج لا يستحق الدعم.
هنا يصبح الدعم أداة فرز: ندعم ما لا يقلق، ونمنع ما قد يفتح العيون. ندعم ما يوحد الناس حول المغني، ونخشى ما قد يفرقهم حول فكرة. النتيجة ثقافة بلا أسئلة، ومهرجانات بلا مضمون، وجمهور مدرب على التصفيق فقط.
ان منع الدعم عن الفعل الثقافي الجاد لا يوفر المال، بل يكلف الوطن أكثر. يكلفنا أجيالاً لا تقرأ، ونخباً تهاجر، وساحة فارغة يملؤها التفاهة. المال الذي نبخل به على الكتاب ندفعه أضعافاً في معالجة الفراغ والعنف والانحراف.
ان الطرب المدعوم وحده يصنع جمهوراً مستهلكاً. الكتاب الممنوع من الدعم يقتل إمكانية صناعة مواطن منتج للمعنى. والفرق بين الاثنين هو الفرق بين بلد يرقص ليلة وينسى، وبلد يقرأ فيبني.
ختاما لمن تفتح خزائن الثقافة؟ الجواب اليوم: تفتح للصوت العالي لا للفكر العميق. تفتح لمن يملأ الساحة، لا لمن يملأ العقول. وهذا اختيار سياسي قبل أن يكون ثقافياً.
وإذا كنا نريد ثقافة حقيقية، فيجب أن نعيد تعريف الدعم. الدعم ليس مكافأة على الشعبية، بل استثمار في ما لا يملك شعبية بعد. أن تدعم كتاباً لا يقرؤه أحد اليوم يعني أنك تؤمن أن مئة شخص سيقرؤونه غداً. أما أن تدعم الطرب فقط لأن القاعة ممتلئة، فأنت لا تبني ثقافة، أنت تدير قاعة حفلات.


Comments
0