برشيد بين فوضى الواقع ورهان التنظيم: السوق النموذجي كمدخل لإعادة الاعتبار للمدينة - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

برشيد بين فوضى الواقع ورهان التنظيم: السوق النموذجي كمدخل لإعادة الاعتبار للمدينة

تصميم بدون عنوان

في مدينة تتسارع فيها وتيرة التمدن، وتتشكل ملامحها العمرانية على إيقاع التحولات الحديثة، يبدو استمرار تعطيل استغلال السوق الأسبوعي ببرشيد مفارقة صارخة لا تقبل مزيدًا من التأجيل أو التبرير. فكيف يعقل أن تظل فضاءات حيوية بهذا الحجم رهينة الجمود، في وقت تختنق فيه شوارع المدينة بفوضى الباعة الجائلين، وتتحول نقاط سوداء إلى مشاهد يومية تنال من كرامة الفضاء الحضري وهيبته؟

لقد أصبح المشهد الحضري ببرشيد يعكس اختلالات بنيوية واضحة، حيث لم تعد مظاهر الفوضى حالات معزولة، بل تحولت إلى نمط يومي يطبع حياة الساكنة. احتلال الملك العمومي بشكل عشوائي، انتشار العربات المجرورة بالدواب دون مراقبة، وتدهور شروط السلامة والنظافة، كلها عناصر تؤكد أن المدينة تعيش على وقع فراغ تنظيمي يتطلب تدخلاً حازمًا ومسؤولًا.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يتفاقم خلال السوق الأسبوعي، خاصة يوم الاثنين، حيث تتحول بعض الفضاءات إلى بؤر للفوضى والانحراف، مع تسجيل مظاهر مقلقة من قبيل انتشار الأسلحة البيضاء والمخدرات. هذا الواقع لا يعكس فقط هشاشة آليات المراقبة، بل يطرح أيضًا تساؤلات عميقة حول فعالية التدبير المحلي وقدرته على مواكبة التحولات التي تعرفها المدينة.

أما خلال فصل الشتاء، فتزداد الصورة قتامة، حيث تتحول جنبات السوق إلى مساحات موحلة تفتقر لأبسط شروط الكرامة الإنسانية، في مشهد يتنافى مع طموحات مدينة تسعى إلى التحديث والرقي. وهو ما يعمق الإحساس لدى المواطنين بغياب رؤية متكاملة لإعادة تأهيل هذا المرفق الحيوي.

أمام هذا الوضع، يبرز مشروع إحداث سوق يومي نموذجي كخيار استراتيجي لا يحتمل التأجيل. فهذا المشروع لا يمثل مجرد فضاء تجاري، بل يشكل رافعة حقيقية للتنمية المحلية، من خلال تنظيم الباعة الجائلين، وتحسين ظروف اشتغالهم، وضمان انخراطهم في اقتصاد مهيكل يحقق الكرامة والاستقرار.

كما أن هذا المشروع من شأنه أن يساهم في تحرير الملك العمومي، وتحسين جمالية المدينة، وتعزيز موارد الجماعة عبر مداخيل قارة، بما ينعكس إيجابًا على جودة الخدمات المقدمة للساكنة. ومن هنا، فإن إخراجه إلى حيز الوجود يتطلب إرادة سياسية قوية، وتنسيقًا فعالًا بين مختلف المتدخلين.

وفي هذا السياق، تتعالى أصوات فعاليات المجتمع المدني مطالبة بتسريع وتيرة إنجاز هذا الورش، وداعية إلى إشراف مباشر من طرف السلطات الإقليمية لضمان تنزيله وفق رؤية واضحة تزاوج بين البعد الاقتصادي والاجتماعي والحضاري. كما يظل من الضروري إدراج هذا المشروع ضمن أولويات المجلس الجماعي، أو تكليف مكتب دراسات مختص لإعداد تصور متكامل يستجيب لحاجيات المدينة وتطلعات ساكنتها.

إن برشيد اليوم أمام لحظة حاسمة تفرض الاختيار بين الاستمرار في فوضى تستنزف صورة المدينة وتثقل كاهل ساكنتها، أو الانخراط الجاد في مسار التنظيم والتحديث عبر مشاريع مهيكلة تعيد الاعتبار للفضاء العام. وإحداث سوق يومي نموذجي ليس مجرد خيار تنموي، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الفاعلين المحليين على كسب رهان الحكامة الجيدة، واستعادة ثقة المواطن في مؤسساته، وصناعة مدينة تليق بطموحات أبنائها.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث