في سابقة نادرة بالنسبة لي كمتتبع للشأن السينمائي، عشت مع فيلم “نوض أو نوض” للمخرج جواد الخوضي حالة من الانجذاب الخاص، فقد شاهدت الفيلم للمرة الأولى في سينما “ميكاراما”، وبدافع الشغف ذاته، قادتني خطواتي لمشاهدته للمرة الثانية في سينما “باتي”. وما أثار دهشتي حقاً هو ذلك الشعور الجميل الذي انتابني وكأنني أشاهده لأول مرة؛ ففي كل مشاهدة أكتشف حلاوة خاصة تتجدد مع توالي الأحداث، وتؤكد لي أنني أمام عمل متكامل الأركان يزداد بريقاً كلما أمعنت النظر في تفاصيله.من أبرز ما شدني في هذه التجربة السينمائية هو إيقاعها اللاهث وانسيابية مشاهدها؛ إذ يمسك الفيلم بتلابيبك من اللقطة الأولى ويسمرك في مقعدك، فلا مجال للالتفات يميناً أو يساراً. السر هنا يكمن في ذكاء السرد وغياب الترهل، فالعمل يخلو تماماً من تلك المشاهد الزائدة التي تُقحم عادة لملء الوقت السينمائي فقط، بل إن كل مشهد مشحون بطاقة مغايرة ومبني ببراعة على خيط “كوميديا المواقف” الذي يولد ضحكاً متواصلاً وغير مفتعل من صميم المفارقات. ورغم هذا الزخم الكوميدي، يفاجئك المخرج بتسلسل درامي خطير ونقلات شعورية حادة، حيث يصفعك في أوج الضحك بمشاهد قوية، حزينة ومؤثرة جداً، تلامس العمق الإنساني للشخصيات.ولم يكن لهذا البناء المحكم أن يكتمل لولا الإدارة الرائعة للممثلين الذين ظهروا بتشخيص مغاير تماماً خارجين من مناطق راحتهم المعتادة، فقد أبدع رفيق بوبكر وسكينة درابيل في تقديم حلة فنية جديدة، بينما أضاف طارق الخالدي وطارق البخاري نكهة خاصة وقوة لمسار الأحداث. أما حسن فلان، فقد شكل مفاجأة الفيلم بامتياز عبر تقمصه لدور غير معهود في مسيرته الفنية الطويلة، لتكتمل لوحة الإبداع بقوة تشخيص سحر الصديقي التي سحرت المشاهدين بسحر آخر لها في هذا الدور المميز، مقدمة أداءً لافتاً يفيض بالصدق والتمكن. وما استوقفني بشدة في هذا العمل هو الأداء المبهر لمحمد أمين لبصل، الفائز ببرنامج “كوميديا”، والذي أطل علينا بشخصية مركبة بامتياز؛ فأكثر ما يمكنني قوله عنه هنا هو أنه كان فناناً مميزاً بتشخيص درامي عميق بعيد كل البعد عن الكوميديا، ليقدم دوراً مغايراً تماماً أثبت من خلاله قدرة هائلة على التلون الفني. لقد كانت لكل شخصية في هذا العمل قوة خاصة ومساحة أثبتت من خلالها جدارتها وتركت بصمة لا تُنسى في ذاكرة المتلقي.وما يزيد من قيمة هذا العمل ويجعله يستحق كل الإطراء، هو كونه إنتاجاً ذاتياً استطاع أن يخلق ضجة إعلامية إيجابية هائلة ويتحدى كبريات الإنتاجات، وقد لمست هذا النجاح الكاسح على أرض الواقع بسينما “باتي”، حيث نفدت جميع التذاكر ورفعت القاعة لافتة “شبابيك مغلقة” (Guichet Fermé)، وهو مؤشر قوي على أن الفيلم في طريقه لتحطيم أرقام قياسية في نسب المشاهدة داخل القاعات الوطنية. إن تجربة جواد الخوضي في “نوض أو نوض” تثبت أن السينما التي تُصنع بشغف واحترام لذكاء الجمهور هي القادرة دائماً على كسب الرهان وتحويل المشاهد العادي إلى عاشق يعيد الزيارة للقاعة مرات ومرات دون ملل.
فيلم “نوض أو نوض”: كوميديا المواقف التي أجبرتني على العودة إلى قاعة السينما.. تجربة استثنائية لجواد الخوضي


Comments
0