في الوقت الذي تعرف فيه الساحة التشريعية حركية ملحوظة مع افتتاح الدورة الربيعية و الاخيرة من هذه الحكومة، من خلال فتح ملفات تخص مهن قانونية وقضائية متعددة، يظل ملف المحاسبين المهنيين خارج لوائح الاعتماد حبيس الرفوف، في مفارقة تطرح أكثر من سؤال.
مفارقة التهميش في زمن الإصلاح، من غير المفهوم أن يتم التسريع في عدد من الأوراش القانونية، بينما يستمر الصمت تجاه ملف مهني واجتماعي واقتصادي بهذا الحجم.
القرار اليوم لم يعد معقداً، بل أصبح محصوراً بين إرادة الوزارة المعنية وبرمجة لجنة المالية بمجلس النواب. وبالتالي، فإن استمرار الجمود لا يمكن تفسيره إلا باعتبارات سياسية أو غياب الجرأة في اتخاذ القرار.
ملف منسجم مع الرؤية الملكية السامية إن تجميد هذا الملف لا يضر فقط فئة مهنية، بل يمس أوراشاً كبرى يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وعلى رأسها: دعم المقاولة الصغرى والمتوسطة: التي تجد في المحاسب المهني المستشار اليومي الأقرب إليها.
تعزيز الامتثال الجبائي: فالمحاسب هو حلقة أساسية في تنظيم التصريحات وضمان احترام الالتزامات الضريبية.
إنجاح ورش الرقمنة: كيف يمكن الحديث عن التحول الرقمي والتصاريح الإلكترونية، في ظل خصاص مهني واضح يناهز محاسباً واحداً لكل 490 مقاولة؟ إن إقصاء هذه الفئة هو في الحقيقة إقصاء لآلاف الكفاءات القادرة على إنجاح الرقمنة على أرض الواقع.
في قلب البرنامج الحكومي إذا كانت الحكومة ترفع شعارات الدولة الاجتماعية، ومحاربة الهشاشة، وتقليص القطاع غير المهيكل، فإن هذا الملف ينسجم تماماً مع تلك الأهداف: مناصب الشغل: أغلب المهنيين أرباب أسر، ويشغلون مساعدين وأجراء.
تأطير المقاولات: يواكبون يومياً مئات الآلاف من المقاولات الصغرى والمتوسطة.
محاربة القطاع غير المهيكل: إقصاء المهنيين قانونياً يدفع جزءاً من النشاط نحو الهشاشة والعشوائية بدل الإدماج والتنظيم.
لسنا ضد القانون.. بل مع تطويره من يروج لفكرة أن التعديلات المقترحة “تفرغ القانون من مضمونه”، يتجاهل حقيقة بسيطة: المطالب الحالية لا تستهدف جوهر القانون 127.12، بل تسعى إلى ملاءمته مع الواقع المهني وإنصاف كفاءات وشهادات عليا مارست المهنة لسنوات طويلة.
المطلوب ليس نسف القانون، بل تطويره بعقلية إصلاحية تراعي المصلحة العامة.
المحاسب المهني.. مساهم ضريبي ومواطن مسؤول لهذه الفئة تؤدي ضرائبها بانتظام: الضريبة على الدخل، الضريبة على الشركات، الضريبة المهنية، والضريبة على القيمة المضافة.
فمن غير المنطقي أن تستفيد الدولة من المساهمة الجبائية لهذه المكاتب، وفي المقابل يستمر التلكؤ في منحها الاعتراف القانوني أو الولوج إلى بعض المنصات الرقمية المرتبطة بالمهنة، مثل تسجيل العقود أو إنشاء المقاولات.
إن استمرار هذا الوضع لا يضر فقط بالمهنيين، بل يضعف مورداً ضريبياً مستداماً، ويمس بمبدأ العدالة الجبائية.
الخلاصة خيبة الأمل مفهومة، لكن الوعي بحجم هذا الملف أكبر. فالمحاسب المهني ليس عبئاً على الدولة، بل قيمة مضافة للاقتصاد الوطني.
هذا الملف ليس تعديلاً هامشياً، بل هو القطعة الناقصة في ورش الرقمنة، وفي الحصيلة الحكومية، وفي دعم المقاولة المغربية.
والسؤال اليوم لم يعد: لماذا يطالب المحاسبون؟ بل أصبح: لماذا يستمر هذا التأخير رغم وضوح المصلحة الوطنية؟
يوسف كروم، الجمعة 1 فاتح ماي 2026.


Comments
0