صراخ طفل مجتهد بين ألم القدر ووجع البشر | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أعمدة الرآي

صراخ طفل مجتهد بين ألم القدر ووجع البشر

IMG-20260805-WA0113

لمّا رحلت أمّي سنة 1978، شعرتُ وكأن العالم انكسر من حولي، لا جزءٌ واحدٌ فقط في داخلي.

كنت في العاشرة، أحتاج يدها على رأسي كل صباح، وأحتاج صوتها ليعيد ترتيب فوضاي الصغيرة، وأحتاج حضنها ليعيدني طفلاً كلما حاولت الحياة أن تكبرني.

الموت لم يكن فكرة بالنسبة لي، كان غياباً مادياً: غياب رائحةٍ أعرفها، وفستان وسروال مطروزان بالأخضر ألفت ملامستهما، وعبوسة على الوجه أخاف مآلها، وابتسامةٍ أستند إليها، ودفءٍ كان يسبقني إلى البيت كل يوم. ومنذ ذلك اليوم، صار البيت مكاناً آخر؛ صار أكبر من طاقتي، وأبرد من طفولتي، وأصمت من قلبي.

كبرتُ بعدها، لكن شيئاً في داخلي بقي في العاشرة، يبحث عن يدٍ تمسح على رأسه، وعن حضنٍ يخبّئ فيه خوفه، وعن أمٍّ رحلت وبقي أثرها لا يرحل.

أخي الأكبر سي محمد، الذي كان مدلّلاً من الوالدين، لم يحتمل الفقد. تحوّل حزنه إلى غضب، وغضبه إلى سلطة، وسلطته إلى نرجسيةٍ تضغط علينا جميعاً.

كنا خمسة عيال ثلاث ذكور وأنثيين، بالأعمار تباعا أخي الكبير اثني عشر سنة، وأنا عشرة، وأخواتي ثمانية، وستة، أصغرنا سعيد ثلاث سنوات فقط، الذي لم يكن اسمه على مسماه في ذلك الوقت.

أما والدي، فقد بدا كمن يحاول أن يقف على قدمين لا تقويان على حمل كل هذا الثقل.

كان ينهض فجراً، يجرّ حزنه معه إلى السوق، ويجرّني معه أيضاً. كنتُ أرافقه، لا لأنني قوي، بل لأن الحياة دفعتني إلى أن أكون قوياً قبل أواني.

في السوق، تعلّمت الحساب، وتعلّمت كيف أكون “رجلاً صغيراً”.

لم يمر الكثير حتى فقهت أبجديات التجارة، وكنت أملأ الصندوق بالنقود، وأختلس بعض الدريهمات لأشتري لحظة لعب في البليار، أو ساعة سينما، أو مقعداً في ملعب كرة القدم أتابع بكل اهتمام أخبار الفتح الرباطي وصرت متيما بمتابعته ومن مناصريه رغم انضمامي لفريق اسطاد المغربي فيما بعد، الرياضة ساعدتني وكنت أحب كرة القدم والسلة والسباحة والركض.

كنت أبحث عن شيء يعيد لي إحساس الحياة، كأنني أحاول أن أقاوم فكرة أنني طفل بلا أم، وبلا حماية، وبلا مساحة للخطأ.في البيت، كنت أساعد أختي فاطمة التي تصغرني بسنتين في الطهو وكنت حاذقا فيه، وفي التنظيف وغسل الملابس، وأعلّم إخوتي جدول الضرب والنحو والإعراب.

حاولت أن أعلمهم كل شيئ تعلمته، وأدمنت على شراء القصص القصيرة، وبعدها الطويلة لجرجي زيدان وعملت مشاركة في مجلة “ماجد” وربحت فيها باسم أختي الصغيرة مينة مبلغا كبيرا في أحد المسابقات،كنت أحاول أن أكون مفيداً، ربما لأثبت لنفسي أنني مازلت أستحق الحب، أو لأملأ الفراغ الذي تركته أمّي بطريقة ما.

لكن رغم كل هذا، كان هناك شيء داخلي لا يُرى: ذلك القلق الصامت الذي يرافق الطفل حين يشعر أن العالم يمكن أن ينقلب عليه في أي لحظة. ذلك الشعور بأنك مسؤول عن كل شيء، رغم أنك لم تتجاوز العاشرة.

ثم جاءت المدرسة. والدي، رغم حزنه عقد العزم على مواصلة الحياة وعدم العجلة في الزواج رغم صغر سنه، ريثما يثبت كل واحد من أبنائه على الطريق الذي يستطيع الإطمئنان فيه عليه. كان يؤمن بالدراسة، أوصى معلّمي السيد “الحريري” بأن “يأخذ باله مني”، وأن يعاقبني إن قصّرت. (يلا ما قراش مزيان عطيه العصا)لكن الحريري فهم الوصية كأنها تصريح بالعقاب، أو ربما وجد فيها فرصة ليُظهر سلطته.

ويصبح القسم منضبطا كأنني كبش فداء أخذ رخصة ذبحه مسبقا.أتذكّر ذلك اليوم جيداً. كنت أعبث بيدي فوق الطاولة، حركة صغيرة لا معنى لها، لكنها كانت كافية لتفجّر غضبه.

أمرني بالتوفيق عن العبث فعلا توقفت لكن حركة واحدة من رجلي كانت سببا بتحريك عواطفه المنتقمة صرخ، ثم أمر أربعة من التلاميذ الأقوياء أن يمسكوني. رفعوا رجليّ، وبدأ يضربني ضرباً موجعاً.

في تلك اللحظة، لم يكن الألم هو ما هزّني، بل الإحساس بأنني وحيد ولازلت لم أعرف سبب الضرب المبرح.

كنت أصرخ: «أواه يا أستاذي العزيز… من يحنّ عليّ؟ يا رفاقي الأعزاء أنقذوني… أنا صديقكم!» لكن أحداً لم يتحرّك. كان الخوف أكبر من الصداقة، وأكبر من العدالة، وأكبر من طفولتنا جميعاً.قال الحريري ببرود: “أنا قلت لك أن تكف عن العبث بيدك على الطاولة لأنك تفقدنا التركيز على الدرس، وبعدها بدأت بتحريك رجليك وكأنك تعاند” وفي الأخير«والدك هو الذي أوصاني بضربك.»تلك الجملة حفرت شيئاً في داخلي. شعرتُ وكأنني متروك بين يدين لا تعرف الرحمة، وأنني مسؤول عن ألمٍ لم أرتكبه. وكنت دائما أعاتب والدي على هذه الوصية اللعينة التي مادامت تتردد في ذهني بإستغراب شديد: “كيف لوالدي الذي هو فيه أبي وأمي وأخي وصديقي” أن يوصي بعقابي بعنف شديد رغم أن السبب لاعلاقة له بالدراسة والتحصل والذكاء والحفظ، فقط بحركة بسيطة لم أتحكم فيها بسهو أو شرود.شعرتُ بأنني طفل بلا سند، وأن العالم يمكن أن ينهار فوق رأسي دون أن يمدّ أحد يده ليحميني.وفي يومٍ آخر، سألنا الحريري بعد ما زاد عن الساعة في الحصة عن إعراب كلمةٍ ما، ولم يعرف أحد الإجابة. أقسم أن يضرب القسم كلّه. كنت أعرف الجواب، لكنني بقيت صامتاً. لم يكن الصمت جهلاً، بل خوفاً من أن أكون مرّة أخرى هدفاً لغضبه.بعد أن ضربني، همست: «إنها جمع مؤنث سالم…» سمعني، فأوقف ضرب التلاميذ، ثم عاد إليّ يجلدني من جديد، وكأنه يعاقبني على معرفتي، على صمتي، على خوفي، على كوني مختلفاً عن الآخرين.

كبرتُ بعدها، لكن شيئاً في داخلي بقي معلّقاً في ذلك القسم الرابع. تعلّمت أن الخوف يمكن أن يصبح جزءاً من الشخصية، وأن الطفل الذي يُهان وهو مجتهد، قد يكبر وهو يحمل سؤالاً صامتاً: هل المعرفة نعمة أم عبء؟ هل الاجتهاد حماية أم خطر؟ هل التفوّق يثير الإعجاب أم يثير غضب من لا يحتمل أن يرى طفلاً يفهم أكثر مما يتوقّع؟لكنني تعلّمت أيضاً أن الألم، مهما كان قاسياً، يمكن أن يتحوّل إلى قوة.

أن الطفل الذي يُضرب لأنه يعرف، قد يكبر ليصبح إنساناً لا يخاف من المعرفة، ولا يخاف من الحياة، ولا يخاف من أن يحمي نفسه بنفسه. تعلّمت أن الصلابة ليست غياب الألم، بل القدرة على حمله دون أن ينكسر القلب.

لقد صنعتني تلك اللحظات، بكل قسوتها، وجعلتني أفهم مبكراً أن الطريق إلى النضج ليس دائماً طريقاً لطيفاً، لكنه طريقٌ يصنع رجالاً يعرفون معنى أن يكونوا وحدهم، ومعنى أن يقفوا رغم الإذلال.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث