المغرب بين طموح التنمية وواقع المواطن: أين نحن؟ | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

المغرب بين طموح التنمية وواقع المواطن: أين نحن؟

1001313186

المغرب بين طموح التنمية وواقع المواطن: أين نحن؟

يعيش المغرب اليوم مرحلة تحولات متسارعة، جعلته يحقق تقدماً واضحاً في مجالات البنية التحتية والاستثمار والصناعة واللوجستيك والطاقات المتجددة، إلى جانب مشاريع كبرى تعكس طموحاً وطنياً لبناء اقتصاد أكثر تنافسية وتعزيز مكانة المملكة إقليمياً ودولياً. غير أن هذا الطموح يطرح سؤالاً أساسياً لا يمكن تجاوزه: إلى أي حد انعكست هذه الدينامية على الحياة اليومية للمواطن؟فالنجاح في التنمية لا يقاس فقط بحجم المشاريع المنجزة أو معدلات النمو والاستثمارات، وإنما بقدرة هذه الدينامية على تحسين شروط العيش وخلق فرص الشغل وضمان خدمات عمومية ذات جودة. المواطن لا ينظر إلى الاقتصاد من خلال الأرقام فقط، بل من خلال قدرته على مواجهة تكاليف الحياة، والحصول على عمل مستقر، وتأمين تعليم جيد لأبنائه، والاستفادة من العلاج والسكن والخدمات الأساسية.وهنا تظهر إحدى أبرز تحديات المرحلة: الفجوة بين طموح التنمية والإحساس اليومي للمواطن بثمارها. فقد تحقق الكثير على مستوى البنية التحتية والمشاريع الاستراتيجية، لكن قطاعات واسعة من المجتمع ما تزال تواجه ضغط القدرة الشرائية والبطالة وصعوبة الولوج إلى بعض الخدمات، كما أن الفوارق بين المجالات الحضرية والقروية وبين الجهات تظل حاضرة في المشهد الاجتماعي.ويظل التشغيل في مقدمة هذه التحديات، خصوصاً بالنسبة إلى الشباب. فالشاب المغربي لا يبحث فقط عن وظيفة، وإنما عن فرصة تمنحه الاستقرار والإحساس بأن الكفاءة والاجتهاد يمكن أن يصنعا مستقبله داخل وطنه. ولذلك فإن مواجهة البطالة لا ينبغي أن تقتصر على برامج مؤقتة، بل تحتاج إلى اقتصاد قادر على خلق وظائف منتجة، وإلى تعليم وتكوين أكثر ارتباطاً بحاجيات سوق الشغل، وإلى دعم حقيقي للمقاولة والمبادرات الفردية.أما الصحة والتعليم، فهما من أكثر المجالات التي تقاس من خلالها جدية التنمية الاجتماعية. فلا معنى لنمو اقتصادي لا يجد المواطن أثره عندما يحتاج إلى العلاج، ولا يمكن بناء اقتصاد تنافسي دون مدرسة قادرة على إعداد أجيال تمتلك المعرفة والمهارات اللازمة للمستقبل. الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان، لأن البنية التحتية مهما بلغت أهميتها لا تستطيع وحدها بناء مجتمع قوي.وفي المقابل، فإن توسيع الحماية الاجتماعية والدعم المباشر يمثل خطوة مهمة في مواجهة الهشاشة، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلاً عن التمكين الاقتصادي. المواطن يحتاج إلى دعم يحميه في لحظات الضعف، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى عمل كريم ودخل مستقر وفرص عادلة تمكنه من الاعتماد على نفسه.كما أن العدالة المجالية تظل جزءاً أساسياً من معادلة التنمية. فالمغرب الذي نريده لا ينبغي أن تكون فيه جودة الخدمات والفرص مرتبطة بمكان الإقامة. التنمية الحقيقية هي التي تجعل المدرسة والمركز الصحي والنقل والماء والخدمات الأساسية متاحة بشكل عادل، وتمنح المناطق الأقل استفادة فرصة حقيقية للحاق بركب التنمية.ويضاف إلى ذلك تحدي الماء، الذي أصبح من القضايا الاستراتيجية للمغرب في ظل توالي سنوات الجفاف والتغيرات المناخية. فالماء لم يعد مجرد قضية بيئية، بل أصبح مرتبطاً بالأمن الغذائي والاقتصاد والاستقرار الاجتماعي ومستقبل الأجيال القادمة، ما يفرض الانتقال من تدبير الأزمات إلى التخطيط المستدام.إن المغرب لا يحتاج إلى الاختيار بين المشاريع الكبرى وتحسين حياة المواطن، بل إلى جعل المشاريع الكبرى وسيلة لتحقيق ذلك التحسين. فالاستثمار الحقيقي هو الذي يخلق فرص العمل، والبنية التحتية الحقيقية هي التي تسهل حياة الناس، والنمو الاقتصادي الحقيقي هو الذي ينعكس على الأسر والطبقة المتوسطة والفئات الهشة.لقد حان الوقت للانتقال من سؤال «كم أنجزنا؟» إلى سؤال أكثر أهمية: «ماذا غيّر ما أنجزناه في حياة المواطن؟» فهذا هو المعيار الحقيقي لنجاح أي مشروع تنموي.المغرب يمتلك مؤهلات كبيرة وطموحاً واضحاً، لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى وضع الإنسان في قلب كل السياسات العمومية، وإلى ربط التنمية الاقتصادية بالعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. فالمشاريع يمكن أن تغير شكل المدن، لكن الإنسان هو الذي يعطي للتنمية معناها.فقوة المغرب لا تقاس فقط بما يبنيه، وإنما بما يتيحه لمواطنيه من كرامة وفرص وأمل في المستقبل. فالتنمية التي لا يشعر بها المواطن في حياته اليومية تظل ناقصة، أما التنمية التي تجعل الإنسان أكثر أمناً واستقراراً وثقة في الغد، فهي التنمية التي تستحق أن تكون مشروع الوطن.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث