على بعد شهر كامل من موعد الاقتراع المقرر في 23 شتنبر للانتخابات البرلمانية، كثر الحديث والتأويل حول ظاهرة عزوف الناخبين وتأثير المال السياسي، سواء في مواقع التواصل الاجتماعي أو في الصالونات السياسية أو في أوساط الرأي العام المغربي.
وفي خضم هذا النقاش حول نزاهة العملية الانتخابية ورهانات تعزيز الشفافية والممارسة الديمقراطية، يبرز من جديد موضوع المال السياسي وتأثيره المحتمل في سلوك الناخبين وطبيعة المنافسة الانتخابية.
ويطرح هذا النقاش إشكالية العلاقة بين نسبة المشاركة الانتخابية ومدى قدرة المال على التأثير في اختيارات الناخبين، خصوصاً في ظل ما يُتداول سياسياً وإعلامياً بشأن ظاهرة «أصحاب الشكارة» ودور الإمكانات المالية في بعض الاستحقاقات الانتخابية.
ويذهب رأي إلى أن أحد المداخل الأساسية للحد من تأثير المال السياسي يتمثل في رفع نسبة المشاركة الانتخابية، باعتبار أن ارتفاع نسبة التصويت إلى مستويات كبيرة، في حدود 60 أو 70 في المائة مثلاً، من شأنه أن يجعل تأثير المرشحين ذوي الإمكانات المالية الكبيرة أكثر محدودية، لأن الكتلة الناخبة المشاركة ستكون أوسع وأكثر تنوعا.
غير أن هذا الطرح، رغم وجاهته من حيث أهمية المشاركة السياسية، يطرح في المقابل أسئلة حول مدى قدرة المشاركة المرتفعة، وحدها، على الحد من تأثير المال في الانتخابات.
ولا شك أن العزوف عن التصويت يطرح إشكالاً ديمقراطياً حقيقياً، إذ يؤدي انخفاض المشاركة إلى تضييق قاعدة الناخبين المشاركين في تحديد النتائج. وفي مثل هذه الحالة، قد تصبح بعض الفئات الانتخابية أكثر قابلية للاستهداف من طرف شبكات المصالح أو الحملات التي تعتمد على إمكانات مادية كبيرة.
لكن اختزال ظاهرة العزوف في كونها نتيجة مباشرة للمال السياسي سيكون تبسيطاً للمشهد؛ فهناك عوامل أخرى قد تفسر ضعف المشاركة، من بينها تراجع الثقة في المؤسسات، وضعف الاقتناع بجدوى المشاركة السياسية، وغياب برامج انتخابية قادرة على إقناع فئات واسعة من المواطنين.
ورفع نسبة المشاركة الانتخابية يظل عاملاً مهماً في تعزيز التمثيلية الديمقراطية، لكنه لا يشكل، بمفرده، حلاً لمشكلة المال السياسي. فحتى في حال ارتفاع نسبة المشاركة، تظل الحاجة قائمة إلى ضمان منافسة انتخابية عادلة، ومراقبة مصادر تمويل الحملات الانتخابية، وتطبيق القواعد القانونية المتعلقة بالإنفاق الانتخابي، والتصدي لكل أشكال استغلال المال أو النفوذ للتأثير غير المشروع في اختيارات الناخبين.
وبعبارة أخرى، فإن مواجهة تأثير المال في الانتخابات لا ينبغي أن تتحول إلى مسؤولية ملقاة بالكامل على المواطن. فالناخب لا يتحمل وحده مسؤولية اختياراته، وإنما تتحمل المؤسسات والأحزاب والمرشحون والجهات الرقابية مسؤولية مشتركة في توفير شروط انتخابية نزيهة ومتوازنة.
وربما تكمن إحدى أهم الإشكالات في أزمة الثقة التي يعاني منها جزء من الناخبين تجاه العمل السياسي والمؤسسات المنتخبة. فالمواطن الذي لا يرى في مشاركته الانتخابية وسيلة حقيقية للتأثير أو التغيير قد يختار العزوف، بغض النظر عن حجم الأموال التي تُنفق خلال الحملات.
ومن هنا، فإن معالجة ظاهرة العزوف تتطلب أكثر من مجرد الدعوة إلى التصويت؛ فهي تحتاج إلى إعادة بناء الثقة، وتعزيز دور الأحزاب السياسية، وتقديم برامج واقعية وقابلة للتنفيذ، وربط المسؤولية السياسية بالمحاسبة، حتى يشعر المواطن بأن صوته له قيمة فعلية في صناعة القرار.
كما ينبغي ألا يقتصر النقاش حول المال السياسي على انتقاد المرشحين الذين يمتلكون إمكانات مالية كبيرة، بل يجب أن يتجه أيضاً إلى مناقشة شروط المنافسة الانتخابية نفسها.
فالديمقراطية لا تُقاس فقط بعدد المشاركين في التصويت، وإنما كذلك بمدى نزاهة المنافسة، وتكافؤ الفرص بين المرشحين، وشفافية التمويل، وفعالية آليات المراقبة والمحاسبة.
وفي النهاية، قد لا تكون «الشكارة» قدراً محتوماً للانتخابات المغربية، كما أن العزوف ليس قدراً ثابتاً للناخبين. لكن تجاوز الظاهرتين معاً يتطلب بناء ثقة جديدة بين المواطن والمؤسسات، وترسيخ ثقافة سياسية تجعل من الانتخابات منافسة على أساس البرامج والكفاءات، لا مجرد سباق بين الإمكانات المالية والنفوذ.


Comments
0