وزير الأوقاف يستحضر سبتة والمدن المحتلة في كلمته أمام جلالة الملك خلال ليلة المولد النبوي الشريف | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |متفرقات

وزير الأوقاف يستحضر سبتة والمدن المحتلة في كلمته أمام جلالة الملك خلال ليلة المولد النبوي الشريف

HQkP6RkWoAASwfA~3

في المغرب، لا تأتي الكلمات الكبرى من فراغ، ولا تُلقى المناسبات الدينية الكبرى باعتبارها مجرد طقوس بروتوكولية.

خلف كل كلمة سياق، وخلف كل إحالة تاريخية ذاكرة، وخلف كل استحضار للتراث تصور متكامل لمكانة الدين داخل الدولة والمجتمع.


وهذا ما بدا واضحاً في الكلمة التي ألقاها وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق بين يدي جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، خلال إحياء ليلة المولد النبوي الشريف بالقصر الملكي بالرباط.


أحمد التوفيق لم يكتفِ بتقديم حصيلة تقنية لأنشطة المجالس العلمية، بل عاد إلى أصل العلاقة التي تربط المغاربة بالجناب النبوي الشريف، مبرزاً أن هذا التعلق ليس وليد اللحظة، وإنما هو امتداد تاريخي وثقافي وروحي متجذر في الشخصية المغربية.


ومن أبرز ما توقف عنده الوزير، أن تعلق المغاربة بالنبي صلى الله عليه وسلم له بعد روحي وعاطفي، وبعد سياسي وتاريخي، يتجلى في المكانة التي احتلتها إمارة المؤمنين داخل التجربة المغربية، وفي البيعة باعتبارها رابطة جامعة حافظت على استمرارية الدولة ووحدتها.


وهنا تصبح الكلمة أكثر من مجرد حديث عن المولد النبوي.


إنها عودة إلى سؤال المرجعية.


فالمغرب، كما قدمه التوفيق، لا يتعامل مع تدينه باعتباره ظاهرة عابرة أو موجة مستوردة، بل باعتباره تراكم قرون من العلم والاجتهاد والممارسة الدينية.

ولذلك كان استحضار أسماء كبار العلماء والمؤلفات التي طبعت الذاكرة الدينية المغربية، من القاضي عياض إلى الجزولي والعزفي، رسالة واضحة بأن لهذا البلد تراثاً خاصاً في خدمة السيرة النبوية وتعزيز محبة الرسول صلى الله عليه وسلم.


واللافت أيضاً أن الوزير استحضر في حديثه سبتة والمدن المغربية المحتلة وما ارتبط بها من علماء وتراث ديني، في إشارة تحمل أكثر من دلالة، خصوصاً أن الحديث جاء في مناسبة دينية وبحضرة أمير المؤمنين.


فسبتة، في هذا السياق، لم تظهر باعتبارها مجرد جغرافيا متنازعاً حولها، وإنما حضرت من خلال الذاكرة العلمية والدينية التي تربطها بتاريخ المغرب.


وهذا تحديداً ما يمنح الخطاب المغربي خصوصيته: القدرة على الجمع بين الدين والتاريخ والذاكرة الوطنية دون الحاجة إلى رفع الصوت أو الدخول في خطاب انفعالي.


التوفيق تحدث كذلك عن جهود العلماء في مجال «تسديد التبليغ»، أي تقريب الخطاب الديني من الناس، وتبسيط مفاهيمه، وربط التدين بالسلوك والأخلاق، بعيداً عن التعقيد أو الخطاب المنفصل عن واقع المجتمع.


وهي نقطة أساسية، لأن الرهان لا يتعلق فقط بحفظ المعلومة الدينية، وإنما بتحويلها إلى سلوك وقيم ومسؤولية.


وفي خلفية كل ذلك، تبرز فلسفة مغربية واضحة في تدبير الشأن الديني: مرجعية واحدة، ومؤسسات علمية منظمة، ومذهب فقهي وعقيدة دينية وتصوف سني يشكلون مكونات أساسية للنموذج الديني المغربي.

وتؤكد وزارة الأوقاف نفسها أن تدبير الشأن الديني يتم تحت إمرة أمير المؤمنين، وفق المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني.


لهذا، فإن كلمة أحمد التوفيق يمكن قراءتها أيضاً باعتبارها دفاعاً هادئاً عن فكرة أعمق: أن المغرب لا يحتاج إلى اختراع مرجعيته كل مرة، لأنها موجودة في تاريخه ومؤسساته وذاكرته الدينية.


في زمن أصبح فيه الخطاب الديني والسياسي سريعاً، وصارت المنصات الرقمية تفرض إيقاعاً قائماً على الاختصار والصخب وردود الفعل، تأتي هذه الكلمة بلغة مختلفة.


لغة التراكم.
لغة المؤسسات.
لغة التاريخ.


ولعل أهم ما يمكن استخلاصه من خطاب التوفيق أن قوة النموذج المغربي لا توجد في كثرة الكلام عنه، وإنما في قدرته على الاستمرار وإعادة إنتاج مرجعيته عبر الزمن.


ذلك هو المغرب الذي لا يحتاج إلى «الريكلام» حتى يثبت حضوره، ولا إلى «التكبيس» حتى يفرض صوته.


يكفيه أن يستند إلى ذاكرة خمسة عشر قرناً، وإلى مؤسسات تعرف وظيفتها، وإلى مرجعية دينية وسياسية تشكلت عبر قرون.


أحياناً تكون القوة في الثبات.

و في السياسة كما في الدين، لا تُقاس القوة بعلوّ الصوت، بل بعمق الفكرة، ورصانة الموقف، وحسن اختيار اللحظة.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث