في مدينة فاس، حيث تتجاور عراقة التاريخ مع جمال العمارة وثراء الذاكرة المغربية، اختار الفنان التشكيلي محمد صفوان بنجلون أن يبني عالماً بصرياً خاصاً، يجعل من اللون لغته الأساسية، ومن الطبيعة مصدراً للإلهام، ومن اللوحة فضاءً مفتوحاً على التأمل والخيال والتأويل.
على امتداد أكثر من عشرين عاماً، راكم صفوان بنجلون تجربة في الفن التشكيلي بصفته فناناً عصامياً، مستنداً إلى الموهبة والممارسة والتجربة والبحث المتواصل عن لغة تشكيلية تعكس رؤيته الخاصة. ومع مرور الوقت، انتقل ارتباطه باللوحة من مجرد شغف إلى مسار فني متواصل، توج بتجربة احترافية امتدت لأكثر من عشر سنوات، أخذت خلالها ملامح مشروعه التشكيلي في التبلور تدريجياً.
وتنفتح تجربة الفنان على مجموعة من العوالم والأساليب، من التجريد والتشخيص إلى السريالية والرمزية، دون أن يبدو أسيراً لمدرسة فنية محددة. فاللوحة بالنسبة إليه مجال للتجريب وإعادة اكتشاف العلاقة بين الشكل واللون والضوء والإحساس، بعيداً عن القوالب الجاهزة.
وتحتل الطبيعة موقعاً محورياً في هذا المشروع الفني؛ فالسماء والبحر والأرض ومظاهر الحياة المختلفة لا تحضر في أعماله باعتبارها مشاهد تسعى إلى محاكاة الواقع فحسب، بل تتحول إلى منطلق للتأمل وإعادة الخلق. وهو لا يكتفي بما تلتقطه العين، وإنما يحاول استحضار الأثر الذي تتركه الطبيعة في الوجدان، وإعادة صياغته من خلال اللون والخط والرمز والإيحاء.
وفي أعماله، تتحرر العناصر الطبيعية من صورتها الواقعية لتدخل فضاءً أكثر انفتاحاً، تتداخل فيه الأشكال والمساحات اللونية، ويصبح للمتلقي دور في استكمال الحكاية وبناء المعنى. فالفنان لا يقدم بالضرورة أجوبة جاهزة، بل يترك للعين مجالاً للبحث، وللخيال فرصة لتكوين قراءته الخاصة.
اللون.. لغة قائمة بذاتها
يشكل اللون أحد أبرز مفاتيح تجربة محمد صفوان بنجلون. فهو لا يتعامل معه باعتباره عنصراً تقنياً أو مجرد وسيلة لتزيين اللوحة، وإنما يراه لغة مستقلة تحمل الإحساس والدلالة.
ويعتمد الفنان أساساً على تقنية الأكريليك، مستفيداً من إمكاناتها في بناء مساحات لونية متعددة، ومن الألوان المشرقة وتدرجاتها لإضفاء حيوية وحضور خاصين على أعماله.
فاللون في تجربته قد يسبق الشكل في التعبير؛ إذ يمكن أن يصبح ترجماناً للفرح أو الأمل أو الجمال أو التأمل. ومن خلال هذا الاشتغال، تتحول اللوحة إلى فضاء نابض بالحياة، يلتقي فيه الحس الجمالي بالتجربة الذاتية للفنان.
ولا تتوقف تجربة صفوان بنجلون عند حدود إنجاز اللوحة، بل ترتبط برغبة مستمرة في تطوير أدواته والانفتاح على مختلف المدارس والتجارب التشكيلية، سعياً إلى ترسيخ بصمته الخاصة داخل المشهد الفني المغربي.
وتكشف تجربته كفنان عصامي عن مسار يقوم على الممارسة والبحث المتواصل، إذ لا يتوقف عند حدود ما اكتسبه من معرفة أو ما أنجزه من أعمال، بل يظل منفتحاً على التعلم والتجريب، انطلاقاً من قناعة بأن الفن مسار مفتوح لا يعرف نقطة نهاية.
ومن المحطات التي طبعت مساره الفني مشاركته في معرض بمدينة وجدة نظمته جمعية الشباب المبدعين الثقافية والاجتماعية، إلى جانب حرصه على إبقاء أعماله قريبة من المتلقي من خلال معرض دائم بمقر إقامته بمدينة فاس، ظل مفتوحاً لأكثر من عشر سنوات، في تعبير عن ارتباطه اليومي باللوحة وإيمانه بأن العمل الفني تكتمل رحلته حين يلتقي بالعين التي تتأمله.
طموح يتجاوز الحدود
اليوم، يتطلع محمد صفوان بنجلون إلى توسيع دائرة حضوره الفني والانفتاح بشكل أكبر على المعارض الوطنية والدولية والإقامات الفنية، بما يتيح له الاحتكاك بتجارب جديدة، وتطوير أدواته، وتعميق بحثه التشكيلي.
ويأتي هذا الطموح امتداداً لمسار فنان اختار أن يبني تجربته تدريجياً، وأن يجعل من الممارسة والبحث المستمر أساساً لتطوير مشروعه الفني.
وفي المشهد التشكيلي المغربي، الذي تتعدد فيه المدارس والأساليب والتجارب، يواصل صفوان بنجلون شق طريقه الخاص، مستفيداً من تنوع المرجعيات الفنية، مع الحرص على الحفاظ على خصوصية تجربته. فالرهان بالنسبة إليه لا يتمثل في تقليد اتجاه فني بعينه، بقدر ما يكمن في الوصول إلى لغة بصرية تحمل بصمته، وتمنح المتلقي فرصة للوقوف أمام اللوحة واكتشاف عوالمها، لا الاكتفاء بمشاهدتها.
في جوهرها، تبدو تجربة محمد صفوان بنجلون رحلة بحث عن المسافة الفاصلة بين الواقع والخيال، وبين المشهد والإحساس، وبين ما تراه العين وما يختزنه الوجدان. ومن الطبيعة ينطلق، وباللون يعبر، وفي اللوحة يفتح مجالاً للتأمل والتأويل.
إنه لا يرسم الطبيعة كما تراها العين فقط، بل يحاول استحضار ما تتركه في النفس من أثر؛ يحول السماء إلى إحساس، والبحر إلى حركة، والأرض إلى ذاكرة، والضوء إلى نبض، ثم يجمع هذه العناصر في لوحة تظل مفتوحة على قراءات متعددة.
ومن فاس، المدينة التي ظلت عبر قرون فضاءً للعلم والفن والجمال، يواصل محمد صفوان بنجلون رحلته مع اللون، مؤمناً بأن اللوحة ليست مجرد سطح تُوضع عليه الألوان، بل مساحة تُروى فيها الحكايات بصمت، وتُطرح فيها الأسئلة دون كلمات.
محمد صفوان بنجلون.. فنان لا يكتفي برؤية الطبيعة، بل يبحث عن روحها، ثم يحولها إلى لون وإحساس وقصيدة بصرية مفتوحة على التأويل.
كابشن مقترح للصورة:
الفنان التشكيلي محمد صفوان بنجلون أمام إحدى لوحاته، في تجربة فنية تجعل من الطبيعة واللون جسراً بين الواقع والخيال.


Comments
0