منذ أن بدأت تفاصيل مشروع مخطط توجيه التهيئة العمرانية لخليج وادي الذهب تخرج من الدوائر التقنية إلى النقاش العام، لم يكن السؤال في الداخلة حول حاجة المدينة إلى مخطط جديد يواكب تحولاتها الكبرى، بقدر ما كان حول الثمن العقاري والاجتماعي الذي يمكن أن تدفعه بعض التجزئات والأملاك الخاصة إذا اعتمدت التصورات الأولى كما ظهرت على الخرائط.
قرابة خمسين يوم من الجدل، والحديث عن طرق وتجهيزات ومشاريع مستقبلية تتقاطع في بعض الحالات مع وضعيات عقارية قائمة، دفعت “مع الحدث” إلى تتبع مسار المشروع منذ مراحله الأولى، والعودة إلى محاضر المؤسسات المعنية، ومقارنة التواريخ والمواقف والقرارات، والاتصال بمصادر مواكبة للملف.
خلاصة هذا التحقيق تقود إلى معطى أساسي: المخطط يتجه نحو تعديل الجوانب التي كانت مصدر تخوف بالنسبة إلى ملاك العقارات والتجزئات السكنية، بعد إدراج التحفظات المتعلقة بحماية الحقوق المكتسبة ضمن مسار مراجعته وأخذها بعين الاعتبار من طرف اللجنة المختصة.
مخطط لـ25 سنة.. والداخلة أمام خريطة جديدة
مخطط توجيه التهيئة العمرانية SDAU ليس تصميم تهيئة لحي بعينه، وإنما وثيقة استراتيجية ترسم الاختيارات الكبرى للتنمية العمرانية على أفق يمكن أن يصل إلى 25 سنة.
وبالنسبة إلى الداخلة، فإن أهمية هذه الوثيقة تتضاعف بفعل التحولات التي تعرفها المدينة والمشاريع الكبرى التي ستفرض إعادة التفكير في الطرق والتجهيزات ومناطق التوسع والأنشطة ومختلف استعمالات الأراضي.
لهذا بدأت دراسة مخطط جديد لخليج وادي الذهب، بمشاركة المؤسسات والقطاعات المعنية، وصولا إلى صيغة أولية كان يفترض أن تنتقل عبر مختلف مراحل التشاور قبل اعتمادها بشكل نهائي.
وهنا يجب تسجيل نقطة أساسية: الخريطة التي أثارت الجدل لم تكن نهاية المسطرة، وإنما مشروع قابل للملاحظة والمراجعة والتعديل قبل المصادقة النهائية.
حين اصطدمت الخريطة بالواقع العقاري
المشكل ظهر عندما بدأت قراءة انعكاسات بعض الاختيارات التخطيطية المقترحة على الأرض.
بعض المجالات التي ينظر إليها المخطط من زاوية حاجيات المدينة المستقبلية تضم في الواقع أملاك خاصة أو تجزئات سبق الترخيص لها أو حقوق اكتسبها أصحابها خلال سنوات سابقة.
ومن هنا بدأ التخوف.
لم يعد الأمر يتعلق بخط مرسوم على خريطة، بل بما يمكن أن يعنيه ذلك الخط بالنسبة إلى مالك بقعة أو مسكن أو مشروع قائم.
مصادر “مع الحدث” تفيد بأن هذه الوضعيات شكلت واحدة من أكثر النقاط حساسية خلال دراسة المشروع، وأن البحث بدأ عن صيغة تسمح باستيعاب المشاريع الاستراتيجية دون الإضرار غير الضروري بالحقوق العقارية القائمة.
16 يوليوز 2026.. أول منعطف رسمي
أول منعطف موثق في المرحلة الأخيرة من الملف وقع يوم 16 يوليوز 2026.
في ذلك اليوم، عرض مشروع مخطط توجيه التهيئة العمرانية على المجلس الجماعي للداخلة خلال دورة استثنائية.
المجلس صادق بإجماع الأعضاء الحاضرين على المشروع، لكن المصادقة اقترنت بتحفظ يتعلق بحماية الحقوق المكتسبة للمواطنين ووضعية التجزئات العقارية والسكنية.
هذه الجزئية ستصبح لاحقا مفتاح فهم ما جرى.
فالمجلس لم يتجه نحو إسقاط المخطط، لأنه يتعلق بمشروع استراتيجي يرتبط بمستقبل المدينة، لكنه في المقابل وضع مسألة الأملاك الخاصة داخل القرار المؤسساتي.
بمعنى آخر: الموافقة على مستقبل المخطط، ولكن ليس على حساب حقوق قائمة.
توقيع الرئيس.. موقف سبق الجدل اللاحق
ضمن تتبع “مع الحدث” للمسار الإداري للملف، يظهر موقف رئيس جماعة الداخلة الراغب حرمة الله في هذه المرحلة دون حاجة إلى عزله عن السياق المؤسساتي أو تحويله إلى محور القضية.
فالرئيس كان جزء من المسار الذي ثبت تحفظ الجماعة، وتفيد مصادر الموقع بأنه تمسك بإدراج حماية الأملاك والتجزئات ضمن الملاحظات المرفوعة بشأن المشروع.
وتكتسب هذه المعطيات أهميتها أساسا من التاريخ.
فالموقف سجل عندما كانت الوثيقة لا تزال قابلة للمراجعة، وليس بعد إغلاق المسطرة، وهو ما سمح بانتقال التحفظ إلى المرحلة الموالية من دراسة المخطط.
كما أن موقف الجماعة لم يقم على رفض المشاريع الاستراتيجية للدولة، وإنما على البحث عن تعديل التصورات التي يمكن أن تمس بحقوق الخواص.
11 يوم فقط.. التحفظ ينتقل إلى مستوى آخر
بين 16 و27 يوليوز 2026 مرت 11 يوم فقط.
لكن وضع التحفظ تغير خلالها.
في 16 يوليوز كان ملاحظة صادرة عن المجلس الجماعي.
وفي 27 يوليوز، انعقد اجتماع اللجنة المكلفة بدراسة الاقتراحات المبداة خلال مداولات المجالس الجماعية بخصوص مخطط توجيه التهيئة العمرانية لخليج وادي الذهب.
هنا تظهر وثيقة حصل عليها “مع الحدث” من مصادره، باعتبارها واحدة من أهم القطع التي تسمح بفهم الاتجاه الذي أخذه الملف بعد ذلك.
27 يوليوز.. الوثيقة المفصلية
المحضر الرسمي يعيد تسجيل ملاحظات المجلس الجماعي للداخلة، ومن بينها التحفظ المرتبط بحقوق المواطنين والتجزئات العقارية والسكنية.
لكن الأهم يوجد في خانة مقابلة تحمل عنوان القرارات المتخذة.
أمام هذه الملاحظات، سجلت اللجنة:
“تؤخذ بعين الاعتبار”.
هنا انتقل الملف إلى مرحلة مختلفة.
فالتحفظ لم يعد مجرد مطلب ينتظر جواب، بل أصبح ملاحظة قبلتها اللجنة ضمن مسار معالجة المشروع.
ولا يعني ذلك أن هذه العبارة وحدها تقدم الخريطة النهائية أو تكشف طبيعة كل تعديل تقني سيجرى، لكنها تقدم دليلا إداريا واضحا على أن وضعية التجزئات والحقوق القائمة دخلت ضمن العناصر التي يتعين استيعابها في استكمال معالجة المخطط.
أربعة أطراف.. والمحضر لم يعد وثيقة جماعية فقط
أهمية محضر 27 يوليوز تظهر كذلك في الجهات الحاضرة في أسفله.
الوثيقة تحمل توقيعات وأختام مرتبطة بـولاية جهة الداخلة وادي الذهب، جماعة الداخلة، الوكالة الحضرية للداخلة وادي الذهب، والمفتشية الجهوية للتعمير والهندسة المعمارية وإعداد التراب الوطني، كما يظهر عليها اسم المفتش الجهوي خالد كويزا.
وهنا يجب توخي الدقة.
وجود المؤسسات الأربع لا يعني أن التحفظ أصبح “موقف سياسي جماعي” لهذه المؤسسات، وإنما يثبت أن القضية خرجت من نطاق مداولة جماعة الداخلة وأصبحت مطروحة داخل المسار المؤسساتي الذي تشارك فيه الجهات المكلفة بإعداد وتتبع وثيقة التعمير.
وذلك بالضبط ما كان ضروريا حتى يصبح تعديل المشروع ممكن عمليا.
ما بعد المحضر.. من “تؤخذ بعين الاعتبار” إلى الخرائط
السؤال الذي طرحه “مع الحدث” بعد الاطلاع على المحضر كان بسيط: ماذا حدث بعد 27 يوليوز؟
بحسب مصادر مطلعة على مسار الملف، فإن عبارة “تؤخذ بعين الاعتبار” لم تبق حبيسة المحضر.
المعطيات التي حصل عليها الموقع تفيد بأن الاشتغال اللاحق على المشروع أخذ فعليا في الحسبان وضعية الأملاك الخاصة والتجزئات موضوع التحفظ، وأن الاتجاه الذي يسير فيه المخطط هو مراجعة التصورات التي تتعارض مع حماية هذه الحقوق، وإدخال التعديلات اللازمة على الوثائق والخرائط قبل استكمال المسطرة النهائية.
وهذا هو التطور الأهم الذي يكشفه التحقيق.
فنحن لم نعد فقط أمام منتخبين يطالبون بتعديل المخطط، بل أمام تحفظ وصل إلى اللجنة المختصة، وقرار رسمي بأخذه بعين الاعتبار، ثم عمل تقني لاحق تقول مصادر الموقع إنه يسير في اتجاه ترجمة هذا القرار داخل الصيغة المعدلة.
هل يعني ذلك أن الخريطة عدلت نهائيا؟
حتى يكون التحقيق دقيق، يجب الفصل بين اتجاه التعديل وبين صدور الوثيقة النهائية المعدلة.
المعلومات التي توصل إليها “مع الحدث” تؤكد أن الجانب المتعلق بحماية التجزئات والأملاك الخاصة حسم من حيث المبدأ، وأن العمل يتجه إلى تضمينه في الصيغة المعدلة للمخطط.
لكن القول إن كل قطعة أعيد تصنيفها نهائيا يحتاج إلى الاطلاع على الخرائط النهائية بعد استكمال المعالجة التقنية والمساطر المتبقية.
وهذا التفريق مهم.
فما يمكن تأكيده اليوم هو أن المخطط لم يعد يسير نحو اعتماد التصورات المثيرة للمخاوف كما كانت دون مراجعة، وإنما دخل مسار تعديل يستوعب التحفظات المرتبطة بحقوق الملاك.
حماية الملك الخاص.. دون إسقاط المشاريع الكبرى
مصادر “مع الحدث” تصف ما جرى بأنه بحث عن حلول داخل المخطط وليس انقلاب عليه.
فالداخلة تحتاج إلى بنياتها المستقبلية ومشاريعها الاستراتيجية، ولا يمكن تجميد التخطيط العمراني لمدينة تتغير بهذا الحجم.
وفي المقابل، لا يعني وجود مشروع استراتيجي بالضرورة أن يكون الخيار الوحيد هو التضحية بوضعيات عقارية قائمة إذا كانت الحلول التخطيطية والتقنية تسمح بالتوفيق بين الطرفين.
وهذه، بحسب مصادر الموقع، هي الفلسفة التي حكمت المراجعات .. تعديل ما يمكن تعديله لحماية أملاك الخواص، مع المحافظة على الوظائف الاستراتيجية الكبرى للمخطط.
16 يوليوز، 27 يوليوز، ثم التعديل.. هكذا تحرك الملف
إعادة ترتيب الأحداث تكشف مسار واضح:
16 يوليوز 2026: المجلس الجماعي يصادق على مشروع المخطط ويسجل تحفظ يتعلق بحماية الحقوق المكتسبة والتجزئات.
27 يوليوز 2026: التحفظ يصل إلى اللجنة المختصة، ويسجل أمامه رسميا قرار “تؤخذ بعين الاعتبار”.
بعد 27 يوليوز: يستمر الاشتغال التقني والمؤسساتي على المشروع، بالتوازي مع الترافع بشأن المناطق موضوع التحفظ.
اليوم: مصادر “مع الحدث” تؤكد أن هذا الجانب من الملف حسم من حيث المبدأ، وأن المخطط يتجه إلى التعديل بما يحفظ الأملاك الخاصة والتجزئات المعنية قبل الوصول إلى صيغته النهائية.
هذه الكرونولوجيا ربما تقدم الإجابة الأكثر وضوحا عن السؤال الذي شغل ملاك العقارات طوال الأسابيع الماضية.
التحقيق يقود إلى نتيجة واحدة
بعد تتبع المسطرة، وقراءة المحضر، وربط التواريخ، ومقارنة الملاحظات بالقرارات، والعودة إلى مصادر مواكبة للملف، يصل “مع الحدث” إلى نتيجة واضحة:
مخطط توجيه التهيئة العمرانية لخليج وادي الذهب يتجه فعليا نحو التعديل في الجوانب التي أثارت مخاوف ملاك التجزئات والأملاك الخاصة.
الوثيقة المفصلية المؤرخة في 27 يوليوز لا تقول إن الخريطة النهائية صدرت، لكنها تثبت أن التحفظ المتعلق بهذه الحقوق أخذ بعين الاعتبار، فيما تؤكد مصادر الموقع أن المرحلة اللاحقة ترجمت هذا الاتجاه إلى مراجعة التصورات المعنية تمهيدا لإدراجها في الصيغة المعدلة.
وهكذا، وبعد قرابة خمسين يوم من الجدل، لم تعد القضية تقف عند حدود الوعود والتصريحات.
هناك تحفظ مسجل، وتاريخ محدد، ومحضر موقع، وقرار بأخذه بعين الاعتبار، ومسار تعديل جار.
أما الكلمة الأخيرة، فستكون للخرائط والوثائق النهائية. لكن الاتجاه الذي يسلكه الملف اليوم، بحسب ما توصل إليه تحقيق “مع الحدث”، أصبح واضحا: تطوير الداخلة ومواصلة مشاريعها الاستراتيجية، مع إعادة رسم ما يلزم حتى لا يكون ذلك على حساب أملاك الخواص وحقوقهم المكتسبة.


Comments
0