لم أكن أتخيل أبدا أن أشيخ يوما، كان ذلك يبدو لي شيئاً يخص الآخرين فقط- جان بول سارتر | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

لم أكن أتخيل أبدا أن أشيخ يوما، كان ذلك يبدو لي شيئاً يخص الآخرين فقط- جان بول سارتر

مع الحدث ma3alhadet

تطرح المقولة السارترية موضوعا فلسفيا يتصل بالتوتر بين الوعي الإنساني، بما يحمله من إحساس بالاستمرار والقدرة على الفعل، وبين حتمية الفناء البيولوجي للجسد. وتختزل هذه الفكرة أزمة الذات حين تصطدم بحدودها المادية، كما تكشف عن مفارقة بين إحساس الإنسان بذاته من الداخل، وإدراكه للتحولات التي تطرأ على جسده من الخارج.

ولتتبع الجذور الفكرية لهذه الأطروحة، يمكن التوقف عند مفهوم «الجسد» في الفلسفة الوجودية. يرى سارتر أن الجسد يمثل نقطة انطلاق الإنسان نحو العالم، ومن خلاله يمارس وعيه وحريته وأفعاله. وطالما ظل الجسد سليماً، فإنه غالباً ما يتوارى خلف المشاريع والإرادة، فلا يصبح موضوعاً مستقلاً للتأمل أو الانشغال.

في هذه الحالة، يميل الوعي إلى التعامل مع الشيخوخة والتدهور الجسدي باعتبارهما ظاهرتين تخصان الآخرين. فالشيخوخة تُرى من الخارج، في تجاعيد الوجوه وبطء الحركة وتراجع القدرات، بينما يصعب على الذات أن تتخيل انطباق هذه التحولات عليها بالحدة نفسها. ومن هنا ينشأ التباين بين صورة الإنسان عن ذاته، باعتباره كائناً فاعلاً وممتلكاً لمشاريعه، وبين الواقع المادي الذي يفرض حدوده تدريجياً.

وقد اتخذ هذا المأزق بعداً أكثر وضوحاً في المرحلة المتأخرة من حياة سارتر، حين واجه تدهوراً صحياً أثر في قدرته على ممارسة عدد من أنشطته المعتادة. وكان فقدان البصر من أبرز هذه التحولات، إذ حدّ من إمكاناته في القراءة والكتابة، وهما من الوسائل الأساسية التي اعتمد عليها في إنتاجه الفكري والتعبير عن مواقفه.

عند هذه النقطة، لم يعد الجسد مجرد وسيلة مندمجة في الفعل، بل أصبح حاضراً بوصفه قيداً مادياً يفرض شروطه على الوعي. فالعقل قد يحتفظ بقدرته على التفكير والرغبة في مواصلة المشاريع، لكن الجسد قد لا يعود قادراً على الاستجابة بالوتيرة نفسها، الأمر الذي يخلق توتراً بين ما تريده الذات وما تسمح به إمكاناتها الجسدية.

وتصف هذه التجربة نوعاً من الاغتراب الداخلي، حيث تنقسم الذات بين «أنا» تفكر وترغب، وجسد يتراجع في قدرته على تنفيذ ما تريده. ويشير هذا الوضع إلى صعوبة تقبّل التحول من مرحلة الاستقلالية والقدرة على الفعل إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان أكثر اعتماداً على الأطباء والأدوية والمحيط الاجتماعي لتدبير شؤون حياته اليومية.

كما تكشف هذه التجربة عن انتقال رمزي من موقع «الذات الفاعلة» إلى موقع «الموضوع» الذي يخضع للمراقبة الطبية والتشخيص والتقييم. فالإنسان الذي اعتاد اتخاذ قراراته بنفسه يجد أن جسده قد أصبح موضوعاً لقرارات الآخرين، وأن حريته العملية باتت مرتبطة بحدود صحية لا يملك التحكم فيها بالكامل.

وفي جوهرها، تضع هذه المقولة مسألة الحصانة الذاتية موضع تساؤل، إذ تبرز الفجوة بين الطريقة التي يختبر بها الإنسان ذاته من الداخل، باعتباره وعياً متواصلاً وممتلكاً للرغبة، وبين التحولات الزمنية التي تطرأ على الجسد وتعيد رسم حدود الاستقلالية. ومن خلال هذه المفارقة، تطرح التجربة السارترية سؤالاً أوسع حول علاقة الإنسان بجسده، وحول الكيفية التي يواجه بها الشيخوخة والمرض وتراجع القدرة على الفعل.

وتظل المواجهة بين الإرادة الإنسانية ومحدودية الجسد إحدى القضايا المركزية في التفكير الوجودي، لأنها تضع الإنسان أمام حقيقة أن الوعي لا يلغي الشروط المادية للوجود، وأن الحرية، مهما اتسع مجالها، تظل مرتبطة بحدود الجسد والزمن.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث