اضرب إنسانا 99 يوما، وتوقف في اليوم المئة؛ سوف يشكرك
وأعطِ إنساناً طعاماً لمدة 99 يوماً، ثم توقف في اليوم المئة؛ سوف يحاسبك.
قد تبدو العبارتان مجرد مفارقة ساخرة، لكنهما تختزلان، في الواقع، فكرة أعمق تتعلق بكيفية تشكل علاقة المواطن بالدولة، وبالطريقة التي يمكن أن تؤثر بها منظومة الحماية الاجتماعية في سلوك الأفراد وتوقعاتهم.
فالإنسان الذي اعتاد مواجهة الأزمات بمفرده يتعلم التحمل والبحث عن البدائل، بينما الإنسان الذي عاش داخل منظومة مؤسساتية للحماية يتعلم، إلى جانب الاعتماد على نفسه، أن يسأل عن حقه، وعن القاعدة القانونية التي تحكم وضعه، وعن المؤسسة المسؤولة عن حمايته.
ومن هنا تبدأ المسألة الحقيقية: ماذا تعلم الدولة مواطنها أن يتوقع عندما يواجه أزمة؟
في المجتمعات التي تكون فيها الحماية الاجتماعية محدودة أو غير متساوية أو صعبة الوصول، لا يستطيع الفرد دائماً انتظار الدولة. فإذا مرض، قد يلجأ إلى أسرته؛ وإذا فقد عمله، يبحث عن مصدر دخل بديل؛ وإذا عجز عن العمل، يعتمد على الأقارب؛ وإذا واجه أزمة مالية، تصبح الأسرة والأصدقاء وشبكة العلاقات الاجتماعية جزءاً من شبكة الأمان.
وبذلك تتوزع مسؤولية مواجهة المخاطر بين الفرد والأسرة والمجتمع والدولة، لكن كلما كانت قدرة المؤسسات العمومية على الحماية محدودة، اتسع الدور الذي تتحمله الأسرة والمحيط الاجتماعي.
ومع مرور الوقت، يتشكل نوع من التكيف الاجتماعي مع هذا الواقع. يتعلم الإنسان أن يقول: «إذا حدث شيء، عليّ أن أتصرف بنفسي».
يتعلم التحمل، والتكيف، والبحث عن البدائل، وقد يصبح المرض أو البطالة أو العجز، في نظره، جزءاً من المخاطر التي ينبغي تدبيرها بوسائله الخاصة.
ومن هنا تستعيد العبارة الأولى معناها: ليس لأن الإنسان لا يشعر بالألم، وإنما لأنه تعلّم كيف يعيش معه.
في المقابل، توجد دول بنت على مدى عقود منظومات أكثر اتساعاً للحماية الاجتماعية، بحيث أصبحت علاقة المواطن بالمؤسسة العامة مرتبطة، في جانب منها، بقواعد الاستحقاق والأهلية والإجراءات.
وتقدم أستراليا مثالاً واضحاً على هذا النمط المؤسسي؛ إذ تدير Services Australia مجموعة واسعة من المدفوعات والخدمات المرتبطة بالأسرة، والعمل، والبطالة، والشيخوخة، والصحة والإعاقة، إلى جانب خدمات أخرى. كما تخضع الاستفادة من عدد من البرامج لشروط مرتبطة بالدخل أو الأصول أو الإقامة وغيرها بحسب طبيعة كل برنامج.
هنا تتغير طبيعة العلاقة.
فالمواطن لا ينظر إلى الدعم باعتباره بالضرورة «مساعدة شخصية» يقدمها له شخص أو جهة، وإنما باعتباره استحقاقاً تحدده قواعد مؤسساتية.
وعندما يتغير قرار يتعلق بالدعم، يصبح السؤال: ما سبب التغيير؟ وما القاعدة التي استند إليها؟ وإذا توقف الدعم، فما الأساس الذي أدى إلى ذلك؟ وإذا نشأ خلاف، هل توجد آلية للمراجعة أو الاعتراض؟
وهذا هو الفارق بين التضامن الشخصي والاستحقاق المؤسسي.
فالأول يمكن أن يقوم على العائلة والقرابة والمعرفة والقدرة الفردية، بينما يفترض الثاني وجود قانون ومعايير أهلية وإجراءات ووسائل للمراجعة.
لكن الدولة الاجتماعية لا تعني، بأي حال، أن الدولة تمنح المواطن المال بلا شروط أو إلى ما لا نهاية. فالأنظمة الاجتماعية الحديثة تقوم عادة على قواعد دقيقة تحدد المستفيدين، وشروط الاستفادة، ومددها، وكيفية احتسابها، وآليات مراجعتها. وتوضح Services Australia، على سبيل المثال، أن عدداً كبيراً من المدفوعات يرتبط بشروط تتعلق بالدخل والأصول أو بمتطلبات أخرى تختلف بحسب البرنامج.
وبذلك لا تتحول الدولة الاجتماعية إلى «دولة عطاء»، بقدر ما تصبح إطاراً مؤسساتياً لإدارة جزء من المخاطر التي قد يتعرض لها الأفراد خلال حياتهم.
فالمرض، والبطالة، والإعاقة، والشيخوخة، وفقدان الدخل، ورعاية الأطفال، كلها مخاطر يمكن أن تواجه أي شخص، والسؤال الذي تطرحه السياسة الاجتماعية هو: من يتحمل كلفة هذه المخاطر؟
هل يتحملها الفرد وحده؟ أم الأسرة؟ أم المجتمع؟ أم التأمين؟ أم الدولة؟ أم مزيج من كل ذلك؟
كلما اتسعت شبكة الحماية الاجتماعية، انتقل جزء أكبر من هذه المخاطر من المجال الفردي والعائلي إلى مجال مؤسساتي جماعي.
ومن هنا، فإن جوهر الدولة الاجتماعية لا يكمن فقط في «إعطاء المال»، وإنما في بناء نظام يوزع بعض المخاطر الاجتماعية وفق قواعد واضحة، ويحدد المسؤوليات، ويمنح المواطن مسارات قانونية وإدارية للوصول إلى الخدمات أو مراجعة القرارات.
وفي المغرب، تبدو هذه المسألة جزءاً من تحول مؤسساتي متواصل في مجال الحماية الاجتماعية. فقد أصبح نظام الدعم الاجتماعي المباشر أحد مكونات هذا المسار، مع استمرار تطوير الإطار القانوني والمؤسساتي المرتبط به.
وفي مايو 2026، صادق مجلس الحكومة على مشروع قانون لتعديل وتتميم القانون المتعلق بنظام الدعم الاجتماعي المباشر، بهدف توسيع قاعدة المستفيدين من الحماية الاجتماعية وتعزيز الإدماج الاقتصادي، مع معالجة بعض الإشكالات التي ظهرت خلال التطبيق العملي للنظام منذ إقراره سنة 2023.
كما أعلنت الوكالة الوطنية للدعم الاجتماعي، في يونيو 2026، أن برنامج الدعم الاجتماعي المباشر استفاد منه 3.9 ملايين أسرة، وفق حصيلة سنة 2025 التي قدمتها الوكالة.
هذه المعطيات تشير إلى أن الانتقال نحو حماية اجتماعية أكثر مؤسساتية ليس مجرد فكرة نظرية، وإنما أصبح جزءاً من مسار عمومي قائم.
غير أن وجود القانون والبرنامج والمؤسسة لا ينهي النقاش.
فالمواطن لا يعيش القانون على الورق، وإنما يختبره في الإدارة، وفي المستشفى، وفي المدرسة، وفي سوق الشغل، وفي طريقة الحصول على الدعم، وفي سرعة معالجة ملفه، وفي وضوح الإجراءات، وفي إمكانية الطعن أو المراجعة عندما يرى أن حقاً من حقوقه لم يُحترم.
وهنا تظهر المسافة بين الحق القانوني والحق الفعلي.
قد ينص القانون على حق معين، لكن السؤال الذي يواجه المواطن هو: هل أستطيع الوصول إليه؟
وقد تكون هناك تغطية صحية، لكن السؤال يصبح: هل أستطيع الوصول إلى العلاج في الوقت المناسب وبالجودة المطلوبة؟
وقد يوجد دعم اجتماعي، لكن السؤال يصبح: هل إجراءات الاستفادة واضحة؟ وهل يصل الدعم إلى الفئات المستهدفة؟ وهل توجد آليات فعالة لمعالجة الأخطاء أو الاعتراضات؟
لهذا لا تقاس الدولة الاجتماعية بعدد القوانين والبرامج فقط، بل بقدرتها على تحويل النص القانوني إلى خدمة فعلية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
يمكن أن تكون هناك استراتيجية، وتمويل، ومؤسسات، وبرامج، لكن السلسلة لا تكتمل إلا عندما يصل أثرها إلى المواطن.
القانون يحتاج إلى مؤسسة.
والمؤسسة تحتاج إلى تمويل وإدارة.
والإدارة تحتاج إلى تنفيذ.
والتنفيذ يحتاج إلى وصول.
والوصول يحتاج إلى جودة.
والجودة تحتاج إلى رقابة ومراجعة ومساءلة.
وعندما تكتمل هذه الحلقة، يتحول الحق من نص مكتوب إلى ممارسة اجتماعية فعلية.
أما إذا توقفت العملية عند مستوى التشريع أو الإعلان، فقد يبقى جزء من الحق حاضراً في الوثائق وغائباً عن الحياة اليومية.
ومن هنا يمكن فهم عبارة «مكياج فوق جلد متقوب» باعتبارها استعارة نقدية للفجوة التي قد تنشأ بين صورة النظام الاجتماعي في الوثائق وبين تجربته الفعلية لدى المواطن.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً التمييز بين وجود الإصلاحات وبين التحديات التي ترافق تنفيذها.
فالمغرب يشهد بالفعل توسعاً في منظومة الدعم والحماية الاجتماعية، لكن نجاح هذا المسار لا يتوقف على حجم البرامج وحده، وإنما يرتبط أيضاً بقدرتها على الاستمرارية، وتحسين جودة الخدمات، وتبسيط الولوج إليها، وتقليص الفوارق المجالية، وضمان وضوح قواعد الاستفادة والمراجعة.
وهنا تحديداً تتضح أهمية المقارنة مع الدول التي قطعت أشواطاً طويلة في بناء مؤسسات الحماية الاجتماعية.
فالفرق لا يكمن فقط في حجم الأموال التي تنفقها الدولة، وإنما في درجة مؤسسية العلاقة بين المواطن والدولة.
عندما تكون الأسرة هي شبكة الأمان الأساسية، تصبح الأزمة الفردية في كثير من الأحيان أزمة عائلية.
أما عندما توجد طبقة مؤسساتية واسعة للحماية الاجتماعية، فإن جزءاً من المخاطر ينتقل إلى المجال العام، دون أن يعني ذلك اختفاء دور الأسرة أو إلغاء مسؤولية الفرد.
فالأسرة تبقى حاضرة، والفرد يبقى مسؤولاً عن قراراته، لكن الدولة تضيف طبقة مؤسساتية تجعل بعض المخاطر قابلة للإدارة الجماعية.
وهنا يتغير سلوك المواطن نفسه.
فالإنسان يتكيف مع النظام الذي يعيش داخله.
إذا عاش في بيئة لا يستطيع فيها الاعتماد على الدولة، فسوف يتعلم الاعتماد على نفسه.
وإذا عاش في بيئة تعتمد بدرجة كبيرة على الأسرة، فسوف يتعلم اللجوء إليها.
أما إذا عاش داخل منظومة مؤسساتية واسعة، فسوف يتعلم أيضاً كيف يتعامل مع المؤسسات، وكيف يقدم طلباً، وكيف يثبت أهليته، وكيف يراجع القرار، وكيف يستخدم الآليات المتاحة له.
وهكذا تصبح السياسة الاجتماعية أكثر من مجرد أرقام في الميزانية.
إنها أيضاً سياسة لصناعة التوقعات والسلوك، وإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة.
وهنا نصل إلى «اليوم المئة».
فالـ99 يوماً الأولى ليست هي القصة كلها؛ لأن اليوم المئة يكشف طبيعة العلاقة التي تشكلت خلال الأيام السابقة.
إذا عاش الإنسان طويلاً من دون شبكة حماية، فقد يقول: «سأتحمل».
أما إذا عاش داخل منظومة مؤسساتية، فقد يسأل: «لماذا تغير وضعي؟ وما الأساس القانوني لذلك؟ وهل توجد إمكانية لمراجعة القرار؟».
ليس بالضرورة أن يكون هذا اختلافاً في شخصية الفرد، بل يمكن أن يكون انعكاساً للبيئة المؤسساتية التي نشأ داخلها.
وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الدولة الاجتماعية: نقل الإنسان من منطق مواجهة المخاطر بمفرده إلى منطق إدارتها داخل منظومة جماعية منظمة.
لكن الهدف ليس أن يصبح المواطن تابعاً للدولة أو معتمداً عليها في كل تفاصيل حياته.
الدولة الاجتماعية لا تنجح عندما تجعل الاعتماد عليها غاية في حد ذاته، وإنما عندما توفر حماية معقولة في مواجهة المخاطر التي تتجاوز قدرة الفرد، وتساعده على استعادة قدرته على الاعتماد على نفسه عندما تسمح الظروف بذلك.
بمعنى آخر: عندما يستطيع الإنسان العمل، ينبغي أن يجد الطريق إلى العمل؛ وعندما يواجه خطراً اجتماعياً يفوق قدرته، ينبغي أن يجد نظاماً يحميه وفق القانون.
وهنا نعود إلى السؤال الأول:
ماذا يتعلم المواطن خلال الـ99 يوماً؟
هل يتعلم أن يتحمل وحده؟
أم يتعلم أن هناك مؤسسة يمكن الرجوع إليها عندما تتجاوز الأزمة قدرته؟
الجواب لا تحدده الشعارات، وإنما تحدده بنية الدولة الاجتماعية، وجودة مؤسساتها، ومدى وصول خدماتها إلى المواطن.
لذلك فإن «اليوم المئة» ليس مجرد يوم إضافي في الحكاية، بل هو اللحظة التي تختبر فيها الدولة ما بنته خلال الأيام التسعة والتسعين السابقة.
فالقانون بلا تنفيذ يبقى نصا.
والحق بلا وصول يبقى وعدا.
والدعم بلا استمرارية وقواعد واضحة يبقى هشاً.
أما الحماية الاجتماعية الحقيقية، فتبدأ عندما يتحول الحق من فكرة في وثيقة إلى مؤسسة يعرف المواطن كيف يصل إليها، ويعرف ما له وما عليه، ويعرف أيضاً أن هناك آليات للمراجعة عندما يختلف مع القرار.
في النهاية، ليست قوة الدولة الاجتماعية في أن تجعل المواطن يعتمد عليها إلى الأبد، وإنما في أن تضمن له أنه عندما يواجه خطراً يتجاوز قدرته، لن يُترك وحده.
وهنا بالضبط ينتقل المجتمع من ثقافة التحمل وحدها إلى ثقافة إدارة المخاطر داخل مؤسسات الدولة.
وهذا هو المعنى الأعمق لليوم المئة.


Comments
0