لم يكن تصريح رئيسة الحكومة، فاطمة الزهراء المنصوري، أمام مجلس المستشارين، يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، بأنها لا تملك «عصا سحرية» لحل جميع مشاكل المغاربة، مجرد عبارة عابرة في سياق الدفاع عن البرنامج الحكومي، بل أعاد إلى الواجهة سؤالاً سياسياً أساسياً: ما المسافة الفاصلة بين الوعود التي تقدمها الأحزاب خلال الحملات الانتخابية والقدرة الفعلية على ترجمتها إلى سياسات عمومية تلمسها الأسر المغربية في حياتها اليومية؟
فالمنصوري، التي تقود الحكومة الحالية بعد انتخابات 23 شتنبر 2026، سبق أن قدم حزبها، الأصالة والمعاصرة، برنامجاً انتخابياً تحت شعار «تغيير المسار»، مؤكداً أن الأمر لا يتعلق بمجرد شعارات انتخابية، وإنما بتعاقد والتزام سياسي مع المغاربة. وشدد الحزب، خلال عرض برنامجه، على أنه لا يريد تقديم وعود تنتهي بانتهاء الحملة الانتخابية، بل التزامات وصفها بالواقعية والقابلة للتنفيذ والتمويل، والمبنية على مقترحات عملية تستجيب للإشكالات الاجتماعية والاقتصادية الأكثر إلحاحاً.
ولم يكتف الحزب برفع شعار «تغيير المسار»، بل وضع خمسة مواثيق ضمن برنامجه الانتخابي، تتعلق بالقدرة الشرائية، وإدماج الشباب، والمواطنة، والأمان، والنمو والاستدامة. كما أعلن عن اعتمادات مالية مهمة لتنزيل هذه الالتزامات، في محاولة لتقديم صورة عن برنامج لا يكتفي بتشخيص الاختلالات، بل يعد بتقديم أجوبة عنها.
لكن خطاب رئيسة الحكومة أمام مجلس المستشارين حمل نبرة أكثر حذراً؛ إذ أكدت أنها لا تريد من الوزراء تقديم صورة وردية عن الأداء الحكومي أو الادعاء بأن «العام زين»، بل طالبتهم بمصارحة المغاربة بما تحقق وما تعذر إنجازه. وأضافت أن الحكومة لا تملك عصا سحرية لحل جميع المشاكل، في إشارة إلى حجم التحديات والإكراهات التي تواجه تدبير الشأن العام.
وهنا يبرز السؤال: هل نحن أمام مراجعة واقعية لسقف الانتظارات، أم أمام بداية التمهيد السياسي لتفسير تعثر بعض الوعود الانتخابية؟
من الناحية السياسية، لا يمكن اعتبار الاعتراف بصعوبة حل جميع المشكلات تنصلاً تلقائياً من الالتزامات الانتخابية؛ فالحكومات تشتغل في ظل إكراهات اقتصادية ومالية واجتماعية، ولا يمكن لأي برنامج أن يضمن معالجة جميع الاختلالات في فترة وجيزة. غير أن هذه الواقعية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر مسبق للتخفيف من المسؤولية عن الوعود التي قُدمت للمواطنين طلباً لأصواتهم.
فإذا كان حزب الأصالة والمعاصرة قد أكد، خلال حملته الانتخابية، أن التزاماته قابلة للتنفيذ والتمويل، فإن المسؤولية السياسية تقتضي اليوم تقديم توضيحات دقيقة للرأي العام بشأن آجال تنفيذها، ومصادر تمويلها، والفئات المستهدفة بها، والنتائج المنتظرة منها. أما الاكتفاء بالحديث عن الإكراهات وحدود الإمكانات، دون تحديد ما سيتم تنفيذه وما قد يتأخر، مع توضيح الأسباب، فلن يكون كافياً لإقناع المواطنين بأن التعاقد الانتخابي ما زال قائماً.
والأهم أن شعار «تغيير المسار» يضع الحكومة أمام امتحان إضافي؛ لأن تغيير المسار لا يُقاس بما تحمله الخطب من عبارات قوية، وإنما بمدى انعكاس القرارات الحكومية على القدرة الشرائية، وفرص الشغل، وجودة التعليم والصحة، وتكافؤ الفرص، وتحسين ظروف العيش، خصوصاً لدى الفئات التي تنتظر من السياسات العمومية نتائج ملموسة، لا مجرد وعود جديدة.
ومن جهة أخرى، فإن مطالبة رئيسة الحكومة وزراءها بمصارحة المغاربة بما لم يتحقق يمكن أن تشكل مدخلاً إيجابياً للمحاسبة، إذا اقترنت بنشر حصيلة واضحة، وتقديم مؤشرات قابلة للقياس، وتحديد المسؤوليات عن التأخر أو الإخفاق، ووضع جدول زمني لتدارك الاختلالات. أما إذا ظلت المصارحة محصورة في الاعتراف العام بالصعوبات، فقد تتحول إلى خطاب لتدبير الانتظارات بدل أن تكون آلية لتصحيح السياسات.
إن المغاربة لا ينتظرون من الحكومة امتلاك عصا سحرية، ولا يطالبونها بحل جميع المشكلات بين عشية وضحاها، لكنهم ينتظرون منها الوفاء بما تعهدت به، وتفسير ما لم تستطع تنفيذه، وتحمل المسؤولية السياسية عن اختياراتها وقراراتها. فالفارق كبير بين حكومة تعترف بصعوبة المهمة وتقدم، في المقابل، حلولاً عملية، وحكومة تجعل من صعوبة المهمة جواباً عاماً عن أسئلة المواطنين.
وفي نهاية المطاف، لن يكون الاختبار الحقيقي لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري في قدرتها على الدفاع عن برنامجها أمام البرلمان، بل في قدرتها على تحويله إلى نتائج قابلة للقياس. فالتعاقد الانتخابي لا ينتهي بإعلان النتائج، ولا تسقط الالتزامات بمجرد تشكيل الحكومة؛ بل تبدأ بعد الانتخابات مرحلة أصعب، هي مرحلة التنفيذ والمحاسبة.
ولذلك، فإن عبارة «لا نملك العصا السحرية» قد تكون اعترافاً مشروعاً بحدود العمل الحكومي، لكنها لا تعفي الحكومة من تقديم أجوبة واضحة عن سؤال جوهري: ما الذي ستنجزه فعلياً من الوعود التي طلبت على أساسها ثقة المغاربة، ومتى سيبدأ المواطنون في لمس نتائجها؟


Comments
0