هناك أسئلة تبدو صغيرة، بل هامشية، حين ننظر إليها منفردة، لكنها تصبح أسئلة كبيرة عندما نضعها في سياق علاقة المواطن بالدولة. لماذا نطلب من المواطن أن يجدد وثيقة لم تتغير المعطيات التي تحملها؟ لماذا يصبح انتهاء صلاحية الورقة أهم من استمرار صحة المعلومة؟ ولماذا يُطلب من المواطن أحيانًا أن يثبت من جديد واقعة ثابتة في سجلات الدولة، بدل أن تتحمل الإدارة مسؤولية التحقق منها؟ المسألة هنا ليست مسألة ورقة أو ختم أو موعد إداري، وإنما مسألة فلسفة في إدارة الدولة: هل نريد إدارة تحمي المعلومة وتتحقق منها، أم إدارة تجعل المواطن يحمل المعلومة إليها في كل مرة.
خذوا جواز السفر المغربي مثالًا. الجواز البيومتري المغربي ظل، رغم الجيل الجديد الذي دخلت مقتضياته التنظيمية حيز التطبيق خلال سنة 2026، محدد الصلاحية في خمس سنوات للبالغين. وهنا لا يتعلق الأمر برفض التجديد الأمني أو التقني، فالجواز وثيقة سيادية وأمنية لها خصوصيتها، وإنما يتعلق بالسؤال عن المدة التي ينبغي أن تظل فيها الوثيقة صالحة عندما لا تتغير هوية صاحبها ولا جنسيته ولا بياناته الجوهرية. هل يتغير المواطن إداريًا بمجرد مرور خمس سنوات؟ أم أن الذي ينتهي هو العمر الإداري للوثيقة؟ وإذا كانت الدولة قادرة على تحديث المعلومات والتحقق منها رقميًا، فلماذا لا يُفتح النقاش حول جواز صالح لعشر سنوات للبالغين، مع إلزامية تحديثه أو إعادة إصداره عندما يحدث تغيير حقيقي في الصورة أو البيانات الشخصية أو الوضع القانوني أو المتطلبات الأمنية؟
بالنسبة إلى مغاربة العالم، لا تبدو هذه المسألة تفصيلًا تقنيًا. فإجراء قد يستغرق دقائق داخل المغرب قد يتحول بالنسبة إلى مغربي يعيش في أستراليا أو كندا أو أوروبا أو الولايات المتحدة إلى موعد قنصلي، وانتظار، وتكاليف، وسفر، وتعطيل للعمل والأسرة، وأحيانًا رحلة طويلة من أجل تجديد وثيقة لا تزال كل المعلومات الجوهرية التي تحملها صحيحة. لذلك فإن إصلاح صلاحية الوثائق ليس فقط إصلاحًا إداريًا داخليًا؛ إنه أيضًا جزء من سياسة الدولة تجاه مواطنيها في الخارج. المواطن المقيم بعيدًا عن أرض الوطن لا يطلب معاملة استثنائية، بل يطلب إدارة تفهم أن المسافة أصبحت جزءًا من المعادلة، وأن الرقمنة يجب أن تختصر المسافة بدل أن تجعل المواطن يسافر من أجل ورقة.
وتزداد المفارقة وضوحًا عندما ننتقل من جواز السفر إلى وثائق الحالة المدنية. ففي بعض المساطر يُطلب من المواطن تقديم نسخة حديثة من شهادة الميلاد. وهنا يحق لنا أن نسأل، ولو بشيء من السخرية الهادئة: ماذا الذي تغير في واقعة الميلاد؟ هل تغير مكان الولادة؟ هل تغير التاريخ؟ هل تغير الأب أو الأم؟ هل تغيرت القابلة أو الطبيب الذي أشرف على الولادة؟ بالطبع لا. الذي تغير هو تاريخ استخراج النسخة، لا تاريخ الميلاد. وإذا كانت الغاية من النسخة الحديثة هي التأكد من أن البيانات لم يطرأ عليها تعديل، فإن الحل العصري ليس أن نعيد المواطن كل مرة إلى مصلحة الحالة المدنية، وإنما أن تتأكد الإدارة بنفسها من السجل الرسمي المحدث.
وهنا تظهر قاعدة بسيطة ينبغي أن تصبح جزءًا من الثقافة الإدارية المغربية: الواقعة شيء، والوثيقة شيء آخر؛ والمعلومة شيء، والنسخة الورقية التي تحملها شيء آخر. الولادة تقع مرة واحدة، والوفاة تقع مرة واحدة، والزواج واقعة قانونية لها تاريخ، والطلاق واقعة قانونية لها تاريخ. وما يمكن أن يتغير بعد ذلك هو الوضع القانوني أو بعض البيانات المرتبطة بالشخص أو الأسرة، لا الحدث الأصلي نفسه. فإذا تغيرت الحالة العائلية، وجب تحديث المعلومة؛ وإذا تغير الاسم أو العنوان أو غير ذلك مما يسمح القانون بتغييره، وجب تحيين البيانات؛ أما الواقعة التاريخية فلا تصبح «قديمة» لأن الورقة التي تثبتها أصبحت قديمة.
وينطبق هذا التفكير على شهادات الوفاة، وعقود الزواج، ووثائق الطلاق، وشهادات الحالة العائلية وسائر الوثائق المرتبطة بالسجل المدني. شهادة الوفاة لا تجعل الإنسان يموت مرة أخرى لأن نسختها مضى عليها عامان، وعقد الزواج لا يصبح أقل حقيقة لأن نسخته استُخرجت قبل مدة، وحكم الطلاق لا يحتاج إلى أن «يتطلق» من جديد حتى تكون الوثيقة مقبولة. ما تحتاجه الإدارة هو معرفة ما إذا كان السجل صحيحًا ومحدثًا، وليس بالضرورة أن تجعل المواطن يعيد إنتاج الورقة في كل مسطرة.
وهنا بالضبط يصبح القانون رقم 36.21 المتعلق بالحالة المدنية نقطة مهمة في مسار الإصلاح، لأنه وضع أساسًا لمنظومة رقمية وطنية للحالة المدنية وسجل وطني، بما يسمح بتسجيل المعطيات وحفظها وتحيينها ضمن منظومة حديثة. لكن الرهان الحقيقي يبدأ بعد الرقمنة التقنية: هل سنحوّل الورقة إلى ملف إلكتروني فقط، أم سنغير فلسفة التعامل معها؟ لأن وضع شهادة الميلاد في منصة رقمية ثم مطالبة المواطن بتحميلها وإرسالها إلى إدارة أخرى لا يمثل بالضرورة نهاية البيروقراطية؛ قد يكون فقط بيروقراطية إلكترونية.
الرقمنة الحقيقية تبدأ عندما تستطيع الإدارة، في الحدود التي يسمح بها القانون ومع احترام حماية المعطيات الشخصية، أن تتحقق من المعلومة لدى مصدرها الرسمي دون أن تجعل المواطن وسيطًا بين مؤسسات الدولة. عندها فقط يصبح المواطن مواطنًا، لا ساعي بريد إداريًا. فلا يعقل أن يكون لدى الدولة سجل رسمي، ثم تطلب من صاحب العلاقة أن يحمل نسخة من هذا السجل إلى مؤسسة أخرى تابعة للدولة نفسها. ولا يعقل أن تكون كل إدارة مالكة لجزء من صورة المواطن، بينما يُطلب من المواطن أن يجمع هذه الأجزاء بنفسه ويحملها من نافذة إلى نافذة.
إن الدولة الحديثة لا تقاس بعدد الوثائق التي تطلبها، وإنما بقدرتها على تقليل الحاجة إليها دون المساس بالقانون والأمن والحقوق. الوثيقة يجب أن تكون وسيلة إثبات، لا غاية إدارية مستقلة. وكلما أصبحت المعلومة محفوظة في سجل رسمي موثوق، وقابلة للتحقق إلكترونيًا، أمكن أن تتحول الوثيقة من عبء متكرر على المواطن إلى أداة تحقق عند الضرورة. وهذا لا يعني إلغاء الوثائق، وإنما يعني وضعها في مكانها الصحيح داخل منظومة الدولة.
ومن هنا يعود النقاش إلى جواز السفر، لكن من زاوية أوسع. فالجواز ليس مجرد وثيقة شخصية، بل هو واجهة للدولة في العالم، ووثيقة سفر دولية، وعنوان من عناوين العلاقة بين المواطن ودولته. لذلك فإن تمديد صلاحيته إلى عشر سنوات بالنسبة إلى البالغين، مع نظام واضح لتحديث البيانات وإعادة الإصدار عند الحاجة، يمكن أن يكون أكثر من مجرد توفير للورق والمواعيد؛ يمكن أن يكون رسالة بأن الدولة تثق في منظومتها المعلوماتية، وتعرف أن هوية المواطن لا تنتهي صلاحيتها كل خمس سنوات لمجرد أن غلاف الجواز انتهى عمره الإداري.
وتتضح الصورة أكثر لدى المغاربة مزدوجي الجنسية. فهناك مغاربة يحملون الجنسية المغربية إلى جانب جنسية أخرى، وقد يجد بعضهم أن استعمال جواز الجنسية الأخرى في بعض الرحلات أو الإجراءات أكثر سهولة أو أكثر ملاءمة من الناحية العملية. لا ينبغي اختزال هذا السلوك في سؤال الهوية أو الانتماء. استعمال وثيقة سفر أخرى قد يكون قرارًا عمليًا تحكمه مدة الصلاحية، والتأشيرات، وقواعد الدخول، والربط الجوي، ومتطلبات البلدان المختلفة. فالهوية المغربية ليست ورقة سفر فقط، والانتماء إلى المغرب لا يُقاس بعدد الأختام الموجودة على جواز المواطن.
بل إن تاريخ الجواز نفسه يكشف أن وثيقة السفر كانت دائمًا مرتبطة بالسياسة وبعلاقة الدولة بالمواطن والحركة. ففي سنة 1931، خلال فترة الحماية، أُدخل الجواز الشريف المغربي كشرط للهجرة إلى فرنسا، ضمن منظومة كانت تفرض على الراغب في السفر جمع عدة وثائق وشروط، منها السجل العدلي والشهادة الطبية وعقد العمل وصورة الهوية وإثبات أداء ضمان العودة. ولم تكن تلك المنظومة مجرد إجراء إداري بريء، بل كانت جزءًا من سياسة لتنظيم، بل وتقييد، حركة المغاربة.
وبعد ذلك بسنوات، وفي سنة 1953، ألغت سلطات منطقة طنجة جوازات عدد من قادة الحركة الوطنية المغربية الموجودين في الولايات المتحدة، ومن بينهم علال الفاسي وأحمد بلافريج ومحمد لغزاوي وأحمد بن سودة ومكي الناصري ومحمد بن الحسن الوزاني ومحمد الشرقاوي، في خطوة كان أثرها يتجاوز الورقة نفسها إلى منع العودة والحركة. كما تكشف حالة المهدي بن بركة، الذي كان يحمل جوازًا دبلوماسيًا صادرًا عن السلطات الجزائرية، أن تاريخ السياسة المغربية عرف بدوره ظروفًا كان فيها جواز السفر مرتبطًا بالمنفى والحركة والعلاقات الإقليمية والدولية.
هذه الوقائع لا تُستدعى للمقارنة بين عهد الحماية ودولة اليوم، ولا لوضع التجارب التاريخية في سلة واحدة، وإنما لتذكيرنا بأن الجواز لم يكن يومًا مجرد كتيب صغير يحمل صورة صاحبه. لقد كان، ولا يزال، جزءًا من علاقة الدولة بحركة مواطنيها. وإذا كانت الدولة المغربية قد قطعت مسافة تاريخية من وثيقة سفر كانت مرتبطة بقيود الحماية إلى جواز بيومتري حديث يعكس سيادة الدولة، فإن السؤال الطبيعي في المرحلة الرقمية هو: هل تستطيع الدولة أن تقطع المسافة نفسها من عقلية الوثيقة إلى عقلية المعلومة؟
وهنا نصل إلى السؤال الذي يتجاوز الجواز وشهادة الميلاد وكل الوثائق الأخرى: هل المشكلة في إدارة الدولة، أم في دولة الإدارة؟ إدارة الدولة تعني أن الإدارة وسيلة لخدمة المجتمع وتنفيذ القانون وحماية الحقوق. أما دولة الإدارة فهي اللحظة التي تتحول فيها الوسيلة إلى غاية؛ فيصبح الإجراء أهم من الهدف، والختم أهم من المعلومة، والنسخة أهم من السجل، والموعد أهم من الخدمة، وعبارة «هذه هي المسطرة» أقوى من السؤال الذي يجب أن يسبق كل مسطرة: «لماذا هذه المسطرة أصلًا؟».
المشكلة ليست في وجود القواعد، فالدولة لا يمكن أن تُدار بالفوضى، ولا في ضرورة التحقق من الهوية والوقائع، فذلك جزء من صميم عمل الدولة. المشكلة تبدأ عندما تستمر بعض الإجراءات فقط لأنها اعتادت الوجود، وعندما يصبح تغييرها أصعب من الاستمرار فيها. الإدارة القوية ليست الإدارة التي تطلب أكثر، بل الإدارة التي تعرف بدقة ما الذي يجب أن تطلبه، ومتى، ولماذا، ومن أي مصدر.
ولهذا فإن مراكز القرار تحتاج إلى شيء يتجاوز تدبير الملفات اليومية: تحتاج إلى رزنامة إصلاح إداري دائمة. رزنامة لا تقوم على انتظار شكوى المواطن حتى يتحرك المسؤول، وإنما على مراجعة استباقية للمساطر: ما الوثائق التي يمكن تمديد صلاحيتها؟ ما الشهادات التي يمكن الاستغناء عن تجديد نسخها؟ ما المعلومات التي توجد أصلًا لدى الدولة ويمكن تبادلها قانونيًا؟ ما الخدمات التي لا يزال المواطن مضطرًا إلى حضورها شخصيًا رغم إمكانية التحقق الرقمي؟ وما الإجراءات التي يمكن حذفها بدل إضافة منصة إلكترونية جديدة إليها؟
المسؤول الذي يحمل في مكتبه مئات الملفات لا يكفي أن يكون قادرًا على متابعتها؛ المطلوب أيضًا أن يحمل أجندة من الحلول. أن ينظر إلى المسطرة باعتبارها شيئًا قابلًا للتحسين، لا نصًا مقدسًا لمجرد أنه موجود. وأن يسأل: ماذا يمكن أن نُبسط هذا العام؟ ماذا يمكن أن نلغي؟ ماذا يمكن أن نربطه رقميًا؟ ماذا يمكن أن نوفره للمغربي في الخارج دون أن يقطع آلاف الكيلومترات؟ وماذا يمكن أن نجعل الدولة تعرفه عن مواطنها دون أن نجبر المواطن على حمل الدليل إلى الدولة؟
وهنا تحديدًا يجب أن نتحرر من الاعتقاد بأن كل إصلاح يحتاج بالضرورة إلى «إرادة سياسية» ضخمة، أو إلى ورش تشريعي هائل، أو إلى ميزانيات استثنائية. بعض الإصلاحات تحتاج إلى ذلك فعلًا، لكن بعضها الآخر يحتاج قبل كل شيء إلى رجل مسؤول، أو امرأة مسؤولة، بعقل عملي، ونظرة خارج الصندوق، وشجاعة في مراجعة ما أصبح عادة. أحيانًا لا تكون المشكلة في غياب الإمكانات، وإنما في غياب السؤال. وأحيانًا لا تحتاج الدولة إلى اختراع نظام جديد، بل إلى أن تتوقف عن مطالبة المواطن بإعادة الشيء نفسه الذي تملكه هي أصلًا.
ومن هنا يجب أن تصبح الرقمنة مشروعًا لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمواطن، لا مجرد تحويل الورق إلى ملفات إلكترونية. المطلوب أن تتحدث الإدارات مع بعضها، وأن تتكامل قواعد البيانات وفق القانون، وأن تُحدّث المعلومات مرة واحدة من مصدرها الصحيح، وأن تنتقل آثار التحديث إلى المساطر التي تحتاج إليها، بدل أن يبدأ المواطن كل مرة من الصفر. هذه هي الإدارة التي تستحق أن تسمى رقمية: إدارة تجعل المعلومة تتحرك داخل الدولة، بدل أن تجعل المواطن يتحرك حاملًا لها.
والإصلاح المطلوب يمكن أن يبدأ بخطوات عملية وواضحة: فتح دراسة مؤسساتية لتمديد صلاحية جواز السفر للبالغين إلى عشر سنوات، وضع آلية آمنة لتحديث البيانات وإعادة الإصدار عند حدوث تغيير جوهري، تعميم التحقق الرقمي من الحالة المدنية كلما سمح القانون، مراجعة اشتراط «النسخ الحديثة» عندما تكون الواقعة ثابتة والسجل الرسمي محدثًا، وتحديد قائمة وطنية بالإجراءات التي يمكن حذفها أو دمجها أو تحويلها إلى خدمات رقمية، مع إعطاء مغاربة العالم أولوية في المساطر التي يترتب عليها تنقل قنصلي متكرر.
الإصلاح الإداري الحقيقي لا يبدأ دائمًا بإضافة خدمة جديدة؛ أحيانًا يبدأ بإلغاء خطوة لا حاجة إليها. ولا يبدأ دائمًا بإنشاء منصة؛ قد يبدأ بربط منصتين موجودتين أصلًا. ولا يبدأ دائمًا بوثيقة جديدة؛ قد يبدأ بالاعتراف بأن المعلومة الموجودة في سجل الدولة تكفي. وعندما يصبح هذا التفكير جزءًا من عمل الإدارة، فإن المواطن لن يشعر فقط بأن الخدمة أصبحت أسرع، بل سيشعر بأن الدولة نفسها أصبحت أكثر ثقة في مؤسساتها وأكثر احترامًا لوقته.
المغرب لا يحتاج إلى إدارة تطلب من المواطن أن يثبت لها في كل مرة ما تعرفه هي أصلًا. يحتاج إلى إدارة تعرف ما لديها، وتعرف من أين جاءت المعلومة، ومتى حُيّنت، وكيف يمكن التحقق منها، ومتى تكون الوثيقة ضرورية فعلًا. ويحتاج إلى مسؤولين لا يكتفون بحمل الملفات، بل يحملون معهم أجندة للحلول، وإلى إدارة تقيس نجاحها بعدد المساطر التي سهّلتها أو ألغتها، لا بعدد الوثائق التي استطاعت أن تطلبها.
إن الدعوة اليوم ليست إلى إلغاء الوثائق، ولا إلى التساهل في الأمن أو القانون، وإنما إلى إعادة ترتيب الأولويات: المعلومة قبل الورقة، الواقعة قبل النسخة، الخدمة قبل المسطرة، والمواطن قبل التعقيد. وإذا كانت الدولة الحديثة هي دولة المؤسسات والقانون، فإن الدولة الرقمية الحديثة يجب أن تكون أيضًا دولة الثقة في المعلومة.
قد يبدو تمديد جواز السفر من خمس سنوات إلى عشر سنوات مسألة تقنية، وقد يبدو الاستغناء عن نسخة حديثة من شهادة ميلاد مجرد تفصيل إداري، لكن خلف هذه التفاصيل سؤالًا أكبر بكثير: أي دولة نريد؟ دولة تجعل المواطن يطارد الوثائق، أم دولة تطارد هي الحلول؟ دولة تعتبر المسطرة نهاية الطريق، أم دولة تعتبرها مجرد وسيلة للوصول إلى الغاية؟
لهذا فإن تجديد الوثائق قد يكون إجراءً إداريًا، أما تجديد طريقة التفكير في الوثائق والإدارة فهو إصلاح في طريقة عمل الدولة نفسها. والمغرب الذي قطع أشواطًا كبيرة في الرقمنة وتحديث الإدارة قادر على أن يذهب أبعد: من إدارة رقمية للورق إلى إدارة ذكية للمعلومة، ومن منطق «أحضر الوثيقة» إلى منطق «سنتحقق من المعلومة»، ومن إدارة تنتظر الملفات إلى مراكز قرار تحمل رزنامة مستمرة من الحلول.
فالدولة الحديثة ليست التي تكثر فيها الوثائق، وإنما التي تقل فيها الحاجة إلى حملها. وليست التي تطلب من المواطن أن يثبت كل شيء، وإنما التي تمتلك القدرة على التحقق مما هو ثابت. وفي نهاية المطاف، قد لا تحتاج بعض الإصلاحات إلى إرادة سياسية استثنائية بقدر ما تحتاج إلى إرادة عقلية؛ إرادة تسأل لماذا، وتملك الشجاعة لتغيير ما لم يعد له معنى. تلك هي الخطوة التي يمكن أن تجعل الإدارة المغربية لا تكتفي بأن تكون رقمية، بل تصبح أكثر إنسانية، وأكثر كفاءة، وأكثر احترامًا للمواطن، وأكثر دولة.


Comments
0