قراءتي للخطاب الملكي: لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى سياسة تتحمل المسؤولية - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

قراءتي للخطاب الملكي: لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات، بل إلى سياسة تتحمل المسؤولية

نسخة من مع الحدث ma3alhadet

في قراءتي للخطاب الملكي السامي بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية، أجد أن الرسالة الأساسية واضحة: المغرب يملك طموحات كبيرة، ويتوفر على فرص حقيقية لمواصلة مساره التنموي، لكن نجاح هذه المرحلة لن يتوقف على وضوح التوجهات وحده، بل على مدى قدرة المسؤولين والمنتخبين والأحزاب السياسية على تحمل مسؤولياتهم والانتقال من الوعود إلى الإنجاز.وأقولها بوضوح: المشكل الذي ينبغي أن نواجهه اليوم ليس فقط في ما نريد تحقيقه، بل في قدرتنا على التنفيذ، وفي استعداد كل مسؤول لأن يتحمل مسؤوليته كاملة، دون الاختباء وراء المبررات أو تبادل الاتهامات.لقد أصبح المواطن يريد أن يرى نتائج السياسات العمومية في واقعه اليومي، لا أن يظل مجرد متلقٍّ للخطابات والوعود. يريد عملا، وتعليما جيدا، وخدمات صحية تحفظ كرامته، وإدارة تستجيب لانتظاراته، ومؤسسات يشعر بأنها قريبة منه وتعمل من أجله.ومن هنا، أقرأ هذا الخطاب باعتباره دعوة واضحة إلى مراجعة أساليب العمل، وإعادة الاعتبار إلى الجدية والاستحقاق والمحاسبة، ووضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الضيقة.أولا: وطنيتي لا تقاس بما أقوله، بل بما أقدمه لبلدي.إن الاعتزاز بالمغرب، بتاريخه وهويته وثوابته ومؤسساته، ليس موضوعا للمزايدة السياسية، ولا وسيلة للحصول على التصفيق. بالنسبة إلي، الوطنية مسؤولية يومية، تبدأ بالقيام بالواجب، واحترام القانون، والدفاع عن المصالح العليا للوطن، وتنتهي بالاستعداد للاعتراف بالأخطاء والعمل على تصحيحها.أنا أؤمن بأن حب الوطن لا يعني أن نتغاضى عن الاختلالات، أو أن نعتبر النقد إساءة، أو أن نخلط بين احترام المؤسسات ورفض مناقشة أدائها.بل إن من واجب كل فاعل سياسي مسؤول أن يقول ما يراه صحيحا، وأن يقترح ما يراه ضروريا للإصلاح، وأن يدافع عن المواطن دون مزايدة أو انتهازية.ثانيا: لا معنى للتنمية إذا لم يشعر المواطن بثمارها.أتوقف عند تأكيد الخطاب الملكي ضرورة تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، لأن هذا التوازن هو أحد أهم الاختبارات التي تواجه السياسات العمومية.نعم، نحتاج إلى الاستثمار، والصناعة، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، والأمن المائي والطاقي والغذائي. لكننا نحتاج أيضا إلى أن تتحول هذه الأوراش إلى فرص حقيقية للشغل، وإلى تحسين الخدمات الأساسية، وإلى تقليص الفوارق بين المناطق والفئات الاجتماعية.لا يكفي أن نعلن عن المشاريع، بل يجب أن نسأل عن نتائجها، وعن المستفيدين منها، وعن أثرها على حياة الناس.ولا يكفي أن نتحدث عن جاذبية الاقتصاد إذا ظل الشاب يبحث عن فرصة، والأسرة تكافح لتلبية حاجياتها، وبعض المناطق تنتظر سنوات من أجل خدمات أساسية.بالنسبة إلي، معيار نجاح التنمية ليس ما نقوله عن أنفسنا، بل ما يستطيع المواطن أن يلمسه في حياته وكرامته ومستقبله.ثالثا: الشباب لا يحتاجون إلى من يتحدث باسمهم بقدر ما يحتاجون إلى من يفتح أمامهم الأبواب.إن وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية يجب ألا يبقى عنوانا جميلا في البرامج، بل ينبغي أن يتحول إلى التزام واضح في التعليم والتكوين والتشغيل والمشاركة السياسية.وأنا أرفض أن نتذكر الشباب فقط عندما نحتاج إلى أصواتهم، ثم نغيبهم عندما يتعلق الأمر بتحمل المسؤولية واتخاذ القرار.إذا كنا نريد استعادة ثقة الشباب في المؤسسات، فعلينا أن نمنحهم أسبابا حقيقية لهذه الثقة، وأن نضمن تكافؤ الفرص، وأن نجعل الكفاءة والاستحقاق أساسا للولوج إلى المسؤوليات.كما أن الأحزاب السياسية مطالبة بأن تبدأ الإصلاح من داخلها، وأن تمنح مناضليها الشباب فرصا فعلية للتأطير والمشاركة وصناعة القرار، لا أن تكتفي باستعمال حضورهم لتجميل صورتها.لا يمكن أن نطالب الشباب بالإيمان بالسياسة إذا لم نمنحهم داخلها مكانة حقيقية، ولا يمكن أن نتحدث عن التجديد ونحن نغلق أبواب المبادرة أمام الطاقات الجديدة.رابعا: الجهوية المتقدمة لا تنجح بالشعارات، بل بنقل السلطة والموارد والمسؤولية.أعتبر أن ما جاء في الخطاب الملكي بشأن العمل الميداني واللاتمركز الإداري يمس جوهر التنمية المحلية.فالمواطن لا يهمه أن يعرف عدد الاجتماعات التي عقدت، ولا عدد المراسلات التي تم تبادلها، بقدر ما يهمه أن يجد حلا لمشكلته، وأن يعرف الجهة المسؤولة عنه، وأن يحصل على جواب واضح وفي الوقت المناسب.ومن غير المقبول أن تتعطل مشاريع أو تتأخر مصالح المواطنين بسبب غموض الاختصاصات، أو ضعف التنسيق، أو غياب الموارد اللازمة لاتخاذ القرار.إذا أردنا جهات قوية، فعلينا أن نمكنها من الوسائل التي تسمح لها بالقيام بمهامها. وإذا أردنا إدارة قريبة من المواطن، فعلينا أن نمنحها صلاحيات فعلية، وأن نحاسبها على النتائج.وأرى أن المرحلة المقبلة تستدعي الانتقال من تدبير المشاكل بعد وقوعها إلى استباقها، ومن الاكتفاء بتشخيص الاختلالات إلى وضع حلول عملية، بآجال محددة ومسؤوليات واضحة.المواطن لا ينبغي أن يظل ضحية تضارب الاختصاصات، ولا أن يدفع ثمن التأخر الإداري أو ضعف التنسيق بين المؤسسات.خامسا: على الأحزاب السياسية أن تواجه أسئلتها الداخلية قبل أن تطالب المواطنين بالثقة.هذه مسألة أعتبرها أساسية، لأن قوة الحياة السياسية لا تقاس بعدد الأحزاب أو بكثرة التصريحات، وإنما بقدرتها على التأطير، وإنتاج الكفاءات، وتقديم البدائل، واحترام قواعد الديمقراطية الداخلية.وأقولها من منطلق إيماني بأهمية العمل الحزبي: لا يمكن أن نطالب بإصلاح المؤسسات إذا لم نكن مستعدين لمراجعة ممارساتنا داخل تنظيماتنا.ولا يمكن أن نتحدث عن الاستحقاق إذا لم تكن معايير الكفاءة والنزاهة والالتزام واضحة في تحمل المسؤوليات.كما لا يمكن أن نبني الثقة على المجاملة، أو أن نجعل الاختلاف في الرأي سببا للإقصاء، أو أن نختزل العمل السياسي في صراعات المواقع والحسابات الشخصية.أنا أؤمن بأن الحزب القوي هو الحزب الذي يسمح بالنقاش، ويستوعب الاختلاف، ويصحح أخطاءه، ويمنح مناضليه حق المشاركة في صياغة القرار، ويجعل خدمة المواطنين غايته الأساسية.السياسة بالنسبة إلي ليست امتيازا شخصيا، بل التزام أخلاقي ومجتمعي. ومن لا يستوعب هذا المعنى، يصعب عليه أن يقنع المواطنين بجدوى العمل السياسي.سادسا: الانتداب الانتخابي مسؤولية لا تنتهي بانتهاء الانتخابات.إن تأكيد الخطاب الملكي أن الانتداب البرلماني تعاقد سياسي وأخلاقي يعيدنا إلى سؤال جوهري: ماذا نقدم للمواطنين بعد أن يمنحونا ثقتهم؟في تقديري، لا يكفي الفوز بالمقعد الانتخابي، ولا يكفي الحضور في المناسبات أو إصدار التصريحات. المسؤولية تقتضي عملا تشريعيا ورقابيا جادا، وتواصلا مستمرا مع المواطنين، ودفاعا عن قضاياهم، وتقييما واضحا للحصيلة.كما تقتضي من المنتخب أن يكون صريحا بشأن ما يستطيع القيام به وما يتجاوز اختصاصاته، وأن يبتعد عن تقديم الوعود التي يعلم مسبقا صعوبة الوفاء بها.فالمنتخب لا يمثل نفسه، ولا يملك ثقة المواطنين إلى الأبد؛ بل يظل مطالبا بتجديد هذه الثقة من خلال أدائه ومواقفه والتزاماته.وأنا أرى أن الوقت قد حان لكي يصبح تقييم الأداء والحصيلة جزءا أساسيا من ثقافتنا السياسية، حتى يعرف المواطن ماذا تحقق، وما الذي تعثر، ومن يتحمل المسؤولية، وما هي الحلول المقترحة.سابعا: الدفاع عن مصالح المغرب يقتضي الوضوح والحكمة والندية.في ما يتعلق بالعلاقات الدولية وملف الهجرة، أقرأ الخطاب الملكي باعتباره تأكيدا على أهمية الشراكة القائمة على الاحترام المتبادل والوفاء بالالتزامات.المغرب، كما تؤكد مضامين الخطاب، يحرص على أداء مسؤولياته، لكنه ينتظر من شركائه التعامل بالمثل. وهذه قاعدة ينبغي أن تحكم علاقاته الدولية، بعيدا عن منطق الضغط أو الابتزاز.وفي الوقت نفسه، فإن الدفاع عن المصالح الوطنية يحتاج إلى رؤية استراتيجية، وتفاوض مسؤول، وتعاون عملي يعزز التنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي.فالمواقف القوية لا تقاس بحدة التصريحات، بل بقدرتها على حماية المصالح الوطنية وتحقيق نتائج ملموسة.خلاصة موقفي: أريد سياسة تحترم المواطن وتتحمل المسؤولية.ما أستخلصه من هذا الخطاب هو أن المرحلة المقبلة تضع الجميع أمام مسؤوليات واضحة، وأن المطلوب ليس الاكتفاء بترديد التوجيهات، بل ترجمتها إلى عمل جاد ومبادرات قابلة للتقييم والمحاسبة.وأنا، من موقعي، أعتبر أن المساهمة في خدمة المغرب تقتضي الوضوح في المواقف، والوفاء للمبادئ، والجرأة في طرح الأسئلة، والاستعداد للمراجعة والتصحيح، بعيدا عن منطق الحسابات الضيقة.لا أدعي أن الإصلاح سهل، ولا أن جميع الإكراهات يمكن تجاوزها في وقت وجيز، لكنني أؤمن بأن الإصلاح يبدأ حين نعترف بالمشاكل كما هي، ونحدد المسؤوليات بوضوح، ونتوقف عن تقديم الأعذار بدل الحلول.لا أريد سياسة تكتفي بتجميل الواقع، بل سياسة تساعد على تغييره. ولا أريد عملا حزبيا يستهلك طاقات المناضلين في الصراعات الداخلية، بل عملا يعيد الاعتبار للكفاءة والنقاش والاستحقاق. ولا أريد مؤسسات تبقى بعيدة عن انشغالات الناس، بل مؤسسات تجعل المواطن في صلب قراراتها وأولوياتها.إن المغرب أكبر من الأشخاص، وأكبر من الحسابات الانتخابية الضيقة، وأكبر من المصالح الظرفية. وخدمة الوطن تقتضي أن نضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار، وأن نقبل بأن المسؤولية لا تُقاس بما تمنحه من موقع، بل بما تفرضه من واجب.هذه هي القراءة التي أتبناها لمضامين الخطاب الملكي: اعتزاز بالوطن، ووضوح في الموقف، وجرأة في النقد المسؤول، وإيمان بأن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان، ومن المؤسسات، ومن الممارسة اليومية للمسؤولية.فأنا مع سياسة تُنجز ولا تكتفي بالوعود، ومع أحزاب تُصلح نفسها قبل أن تطالب الآخرين بالإصلاح، ومع مسؤولية سياسية تجعل خدمة المواطن معيارا للعمل، لا مجرد شعار يرفع عند الحاجة.محمد المزابي

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث