تشير المعطيات الأولية المتداولة حول مشاورات تشكيل الحكومة المقبلة تكشف مفارقة سياسية تستحق أكثر من مجرد قراءة في أرقام المقاعد. فحزب الأصالة والمعاصرة يبدو متجهاً نحو بناء تحالف مع عدد من الأحزاب التي تنتمي إلى ما كان يُقدَّم تاريخياً باعتباره المعسكر الوطني الديمقراطي، في مقابل إبعاد أحزاب أخرى من دائرة الحسابات الأولى.لكن السؤال الأكثر إثارة هنا ليس فقط: من سيدخل الحكومة؟ بل لماذا اختار الأصالة والمعاصرة هذه الأحزاب بالذات؟فهذا الحزب ظل منذ ولادته محاطاً بتوصيفات سياسية من قبيل «الحزب الإداري» و«الوافد الجديد» و«حزب التحكم»، وكانت بعض الأحزاب التي يجري الحديث اليوم عن التقارب معها من بين القوى التي ساهمت، بشكل مباشر أو غير مباشر، في ترسيخ هذه الصورة السياسية عنه.واليوم، يجد هؤلاء أنفسهم أمام مفارقة لا تخلو من الإحراج: الأحزاب التي كانت تنعت الأصالة والمعاصرة بهذه الأوصاف أصبحت مرشحة للجلوس معه حول طاولة واحدة لتدبير الحكومة.فهل تغير الحزب؟ أم تغيرت مواقف هذه الأحزاب؟ أم أن صناديق الاقتراع أسقطت الكثير من الخطوط الحمراء التي كانت تُرفع في الخطابات السياسية؟الأكثر جرأة أن نسأل أيضاً: هل يريد الأصالة والمعاصرة من خلال هذا الاختيار أن يستمد جزءاً من شرعيته السياسية من أحزاب ظلت تقدم نفسها باعتبارها أحزاباً وطنية وديمقراطية؟إذا كان الأمر كذلك، فإن المسألة تتجاوز الحسابات الانتخابية إلى محاولة إعادة تقديم الحزب داخل المشهد السياسي المغربي: ليس باعتباره «وافداً» أو «حزب تحكم»، وإنما باعتباره شريكاً تقبله حتى الأحزاب التي طالما انتقدته.لكن المفارقة الأكبر تقع على عاتق هذه الأحزاب نفسها. فإذا كانت قد ظلت لسنوات تقدم خطاباً سياسياً حاداً تجاه الأصالة والمعاصرة، فما الذي يجعلها اليوم مستعدة للتحالف معه؟ وهل تغيرت قناعاتها، أم أن المقاعد والمواقع الحكومية أكثر إقناعاً من الشعارات التي كانت ترفعها في المعارضة؟الانتخابات الأخيرة أعطت الأصالة والمعاصرة شرعية انتخابية لا يمكن إنكارها، وصناديق الاقتراع قالت كلمتها. ولذلك فإن التحالف معه ليس في حد ذاته مشكلة ديمقراطية؛ المشكلة الحقيقية هي أن تظل الأحزاب عاجزة عن تقديم تفسير سياسي مقنع لتحول مواقفها.فالناخب من حقه أن يسأل: إذا كان هذا الحزب «وافداً» بالأمس، فلماذا أصبح «حليفاً وطنياً» اليوم؟ وإذا كان متهماً بالتحكم، فهل زال التحكم أم زالت فقط الحاجة إلى مهاجمته؟لذلك قد تكون الحكومة المقبلة أمام امتحان يتجاوز توزيع الحقائب. إنها أمام امتحان صدقية سياسية، خصوصاً بالنسبة إلى الأحزاب التي كانت تجعل من تاريخها الوطني والديمقراطي رصيداً أخلاقياً في مواجهة الأصالة والمعاصرة.أما الأصالة والمعاصرة، فاختياره لهذه الأحزاب تحديداً قد يكون محاولة ذكية لإغلاق صفحة «الوافد الجديد» نهائياً، وتحويل خصوم الأمس إلى شهود على اندماجه الكامل في الشرعية السياسية.وفي السياسة، أحياناً لا يكون أقوى انتصار هو الحصول على أكبر عدد من المقاعد، بل أن تجعل خصومك الذين قضوا سنوات في انتقادك يجلسون معك حول الطاولة نفسها.
الأصالة والمعاصرة وخصوم الأمس.. تحالف الأرقام أم البحث عن الشرعية؟ ام أن المقاعد والمواقع الحكومية أكثراقناعامن الشعارات؟


Comments
0