يندرج اعتماد تكوين الدكتوراه بالمدرسة العليا لعلم النفس بالدار البيضاء ضمن المستجدات الأكاديمية التي تفتح نقاشاً حول مستقبل البحث في علم النفس بالمغرب، وحول سبل تطوير التكوين المتخصص وإنتاج معرفة علمية أكثر ارتباطاً بالواقع المجتمعي.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على الانتقال إلى مستوى أكاديمي جديد، بل تمتد إلى ما يمكن أن يتيحه تكوين الدكتوراه من فرص لإعداد الباحثين، وتطوير المشاريع العلمية، وتعميق دراسة الظواهر النفسية والاجتماعية وفق مناهج علمية دقيقة.
فالدكتوراه لا تمثل مجرد درجة علمية تضاف إلى المسار الأكاديمي، وإنما تقتضي مسؤولية بحثية تقوم على صياغة أسئلة واضحة، واعتماد منهجيات ملائمة، وتحليل المعطيات، وتقديم نتائج تضيف إلى المعرفة العلمية.
وفي هذا السياق، يبرز اسم الأستاذ عبد الكريم بلحاج، المرتبط بالبحث والممارسة والتفكير في مجال علم النفس بالمغرب، ضمن المسار الذي يواكب تطور التكوين والبحث في هذا التخصص. ويطرح هذا التطور أسئلة تتعلق بطبيعة المشاريع العلمية المنتظرة، وبنوعية الأبحاث التي يمكن أن تنشأ في إطار هذا المسار الأكاديمي.
من التكوين إلى إنتاج المعرفة
يطرح إحداث تكوين الدكتوراه سؤالاً أساسياً حول الوظيفة التي ينبغي أن يضطلع بها البحث في علم النفس: هل يقتصر على استيعاب النظريات وإعادة عرضها، أم يتجه أيضاً إلى إنتاج معرفة جديدة تنطلق من إشكالات واقعية وتستند إلى معطيات قابلة للتحليل والتحقق؟
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في ظل تعدد الظواهر التي تحتاج إلى دراسة علمية متخصصة، من قبيل الصحة النفسية، وصعوبات التعلم، والعنف، والإدمان، والتحولات الأسرية والاجتماعية، فضلاً عن الإشكالات المرتبطة بالطفولة والمراهقة، والبيئة المدرسية، ومكان العمل، والمؤسسات الصحية.
وتتطلب دراسة هذه القضايا تجاوز التفسيرات السريعة والأحكام الجاهزة، والاعتماد على أدوات البحث العلمي، بما يسمح بفهم الظواهر في سياقاتها المختلفة، وتحديد العوامل المؤثرة فيها، واقتراح تدخلات تستند إلى نتائج علمية.
ومن هذا المنطلق، يمكن أن يشكل تكوين الدكتوراه فضاءً لتطوير أبحاث تنطلق من الواقع المغربي، وتأخذ بعين الاعتبار خصوصياته الاجتماعية والثقافية والمؤسساتية، بدل الاكتفاء باستنساخ أسئلة بحثية نشأت في بيئات مغايرة.
البحث العلمي وصلته بالميدان
تكتسي العلاقة بين المعرفة الأكاديمية والممارسة أهمية متزايدة في علم النفس، بالنظر إلى طبيعة هذا التخصص الذي يتقاطع مع مجالات متعددة، من بينها التعليم والصحة والأسرة والمقاولة والمؤسسات الاجتماعية.
فالميدان يتيح للباحث رصد ظواهر وإشكالات قد لا تظهر بالوضوح نفسه في المراجع النظرية، بينما توفر النظرية إطاراً لتحليل المعطيات وفهمها ضمن سياق علمي منظم. ومن شأن الجمع بين الجانبين أن يعزز جودة البحث، ويقرب نتائجه من حاجات المؤسسات والمجتمع.
كما أن تكوين الباحثين يقتضي توفير بيئة علمية تشجع على التفكير النقدي، ومناقشة الفرضيات، والاحتكام إلى الأدلة، واحترام قواعد البحث وأخلاقياته، مع تقبل النتائج التي تفرزها المعطيات، سواء وافقت التوقعات الأولية أم خالفتها.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية الأدوار التي يمكن أن يضطلع بها الأساتذة والباحثون في توجيه المشاريع العلمية، وتأطير الطلبة، وربط التكوين الأكاديمي بالإشكالات المطروحة في الواقع.
رهانات المرحلة المقبلة
إن فتح مسار الدكتوراه يطرح، في المقابل، مجموعة من الرهانات المرتبطة بجودة التكوين، وتأطير الباحثين، وتطوير المختبرات والموارد العلمية، وتشجيع النشر الأكاديمي، وتعزيز الشراكات البحثية، بما يضمن استمرارية المشروع العلمي وفاعليته.
كما أن تقييم أي مسار دكتوراه لا يرتبط فقط بعدد المسجلين أو الشهادات المحصل عليها، وإنما بما ينتجه من أبحاث، وما يقدمه من إضافات معرفية، ومدى قابلية نتائجه للمناقشة والاستثمار في المجالات ذات الصلة.
ومن هذه الزاوية، يكتسب حضور الأستاذ عبد الكريم بلحاج دلالته ضمن سياق أوسع يتصل بتطور التكوين والبحث في علم النفس، وبالحاجة إلى ترسيخ ثقافة علمية تجعل من البحث مساراً ممتداً، لا مجرد محطة للحصول على شهادة.
وفي المحصلة، تفتح هذه الخطوة نقاشاً حول موقع البحث السيكولوجي داخل منظومة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب، وحول إمكانات تطوير معرفة متخصصة تنطلق من أسئلة المجتمع، وتستجيب لمتطلباته، وتساهم في دعم الممارسة المهنية والمؤسساتية.
فالقيمة الفعلية لأي مشروع أكاديمي لا تتحدد عند لحظة الإعلان عنه، بل تتضح من خلال ما ينتجه لاحقاً من أسئلة جديدة، وأبحاث رصينة، ونتائج قابلة للنقاش، وإسهامات تضاف إلى الرصيد العلمي في مجال علم النفس.


Comments
0