بعيدا عن الخطابات التي تختزل الظاهرة في شماعة الدولة أو في خطاب عاطفي يوزع صكوك البراءة على الجميع، تبدو موجات الهجرة نحو سبتة مناسبة لقراءة أكثر عمقا، قراءة تنقب في البنية النفسية التي تدفع الإنسان إلى حمل أطفاله والركض نحو حدود مجهولة، وهو يعلم أن احتمال الفشل أكبر من احتمال النجاة.
علمآ أنه لا تتحرك الجماعات دائما وفق الحسابات العقلانية، الإنسان عندما يدخل في حالة اندفاع جماعي تتراجع قدرته على تقييم المخاطر، ويتحول سلوك الآخرين إلى دليل يقوده أكثر من الوقائع نفسها، يكفي أن يرى العشرات يركضون حتى يشعر أن التوقف هو القرار غير الطبيعي، رغم أن العقل الفردي لو بقي معزولا ربما اختار طريقا مختلفا إنها عدوى نفسية تذيب شخصية الفرد داخل الحشد، فيصبح قرار الجماعة أقوى من صوت المنطق.
المشهد الذي ظهرت فيه أسر كاملة، وأطفال، ونساء يركضن في ظروف تمس الكرامة الإنسانية، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد محاولة للهجرة،، إنه يعكس لحظة انهيار في ترتيب الأولويات النفسية، حيث يتحول الوصول إلى الضفة الأخرى إلى قيمة مطلقة، بينما تتراجع قيم الحذر، والكرامة، وحماية الأسرة إلى مرتبة ثانوية؛ عندما يبلغ الإنسان هذه المرحلة، فإن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، وإنما أصبحت أزمة إدراك وأزمة تصور للمستقبل.
التاريخ يقدم نماذج مشابهة، في أزمنة المجاعات والحروب والانهيارات الكبرى، شهدت مجتمعات عديدة سلوكات كانت تبدو مستحيلة في الظروف العادية، ليس لأن أخلاق البشر تبدلت فجأة، وإنما لأن الخوف من المستقبل قادر على إعادة تشكيل سلم القيم، غير أن استحضار التاريخ لا يعني تبرير كل ما يقع اليوم، لأن الإنسان يبقى مسؤولا عن قراراته، خاصة عندما تتحول الأسرة والأطفال إلى جزء من مغامرة غير محسوبة.
هناك عنصر آخر لا يحظى بما يستحقه من النقاش، وهو سيكولوجيا الوهم التي صنعتها شبكات التواصل الاجتماعي، آلاف المقاطع القصيرة تقدم أوروبا باعتبارها نهاية كل معاناة، وتختزل سنوات من الكد والعمل في ثوان معدودة مليئة بالسيارات الفاخرة والرواتب المرتفعة والحياة المترفة، هذا المحتوى لا ينقل الواقع، وإنما يبيع الحلم. ومع التكرار، يتحول الحلم إلى يقين نفسي، ويصبح اجتياز الحدود في المخيال الجمعي أقصر طريق إلى الثروة.
وعندما يصطدم هذا الوهم بالواقع، تبدأ المأساة الحقيقية، كثير من القاصرين والشباب يجدون أنفسهم خارج المدرسة، وخارج سوق الشغل، وخارج أي شبكة اجتماعية حامية، بعضهم ينتهي إلى التسول، وبعضهم يعيش في هامش المدن الأوروبية، وآخرون يدخلون في دوائر الانحراف أو الاستغلال، لم تعد المشكلة في عبور الحدود، وإنما في العجز عن عبور الفجوة بين الصورة التي رسمها الخيال والحياة التي فرضها الواقع.
من جهة أخرى، لا يمكن فصل هذه الظاهرة عن الحسابات السياسية داخل إسبانيا، ملف الهجرة أصبح مادة انتخابية جاهزة، تستثمرها الأحزاب المتنافسة لتغذية النقاش حول الأمن والهوية والحدود، في هذا السياق، يتحول المهاجر القاصر إلى رقم في خطاب سياسي أكثر منه إنسانا له قصة وحياة، وفي المقابل لا تخفي قطاعات واسعة داخل الاقتصاد الإسباني حاجتها إلى اليد العاملة الشابة لتعويض الشيخوخة الديموغرافية ودعم منظومة الإنتاج والضرائب؛ هذه المفارقة تجعل الخطاب السياسي أكثر تشددا، بينما يستمر الواقع الاقتصادي في استيعاب جزء من هذه الهجرة.
المفارقة الأكثر قسوة أن المغرب يعيش بدوره تحولا ثقافيا عميقا، لم يعد الصبر قيمة اجتماعية راسخة كما كان في أجيال سابقة، وحلت محلها ثقافة النتائج الفورية، النجاح لم يعد يقاس بمسار طويل من التعلم والعمل، وإنما بصورة على منصة رقمية أو قصة نجاح سريعة يصنعها خيال الإنترنت أكثر مما يصنعها الواقع. في مثل هذا المناخ، تصبح الهجرة السرية مشروعا نفسيا قبل أن تكون مشروعا جغرافيا
ليست كل حالة هجرة تعبيرا عن اليأس، وليست كل محاولة لعبور الحدود دليلا على انعدام الكرامة، فلكل إنسان ظروفه التي لا يحيط بها إلا هو؛ غير أن تحويل المجازفة إلى بطولة، أو تقديم تعريض الأطفال للمجهول باعتباره فعلا يستحق التصفيق، يفتح الباب أمام تطبيع خطير مع سلوك يحمل في جوهره قدرا كبيرا من المخاطرة بالإنسان
الرهان الحقيقي لا يكمن في إدانة المهاجر أو تمجيده، وإنما في تفكيك البنية النفسية التي جعلت آلاف الشباب يعتقدون أن الخلاص يوجد في نقطة جغرافية واحدة، عندما ينتصر الوهم على التفكير النقدي، وعندما يصبح المستقبل سلعة تصنعها الشاشات، تتحول الحدود إلى مسرح تتكرر فوقه المأساة بأبطال جدد، بينما تبقى الأسباب النفسية والاجتماعية على حالها، تنتظر من يقرأها بعقل بارد، لا بعين منفعلة.


Comments
0