أين الثقافة الشعبية التربوية في برامجنا الدراسية؟.. من الحفظ في الذاكرة إلى الحفظ بالتكنولوجي - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |متفرقات

أين الثقافة الشعبية التربوية في برامجنا الدراسية؟.. من الحفظ في الذاكرة إلى الحفظ بالتكنولوجي

IMG-20260929-WA0017(1)

الأستاذ إدريس عابر / مدينة مراكش

أستهل مقاله هذا بسؤال جوهري يؤرق كل مهتم بالتربية والثقافة: أين الثقافة الشعبية التربوية في برامجنا الدراسية؟

فالثقافة الشعبية ليست مجرد فولكلور للفرجة أو تراث جامد نحتفظ به في المتاحف والرفوف، بل هي روح الأمة النابضة، وجزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية. أمثال أسلافنا التي ما زالت تتردد على ألسنة الناس في المجالس والبيوت تختصر فلسفة شعب بأكمله، نكتة شعبية تتداول بين الصغير والكبير فترسم البسمة وتعالج عيوب المجتمع بسخرية ذكية، حرفي بسيط يمر أمام أعيننا كل صباح لإصلاح الأدوات المنزلية يحمل في يديه حكمة الصانع التقليدي، أغنية من أهازيج الأمهات تهدهد الأطفال، وحكاية الجدة قبل النوم التي تزرع فينا أول بذور الخيال…كل هذه الأشياء التي ذكرناها لا تشكل إلا قطرة من بحر الثقافة الشعبية الواسع، الذي يضم الألغاز، والأحاجي، والأمثال، والحكايات الخرافية، والرقصات الشعبية كأحيدوس وأحواش، واللباس التقليدي، وفنون الطبخ، وطقوس الأعراس والمواسم.

لماذا ندمج التراث في المدرسة؟

إذا ما تم دمج هذا الموروث بذكاء ومهنية في برامجنا التعليمية، فإننا سنحقق أهدافا تربوية نبيلة:

1 ترسيخ الهوية والانتماء يعني أن التلميذ الذي يتعلم حكمة الأمثال، أو يستمع لحكاية “الجدة “، سيفهم جذوره وسيعتز بانتمائه، بدل أن يعيش اغترابا ثقافيا بين ما يدرسه في المدرسة وما يعيشه في بيته وحيه.

2 التربية على القيم والأخلاق: الحكاية الشعبية ليست للتسلية فقط، بل هي مدرسة أخلاقية تعلم الصدق والشجاعة والتضامن بأسلوب محبب يصل إلى قلب الطفل قبل عقله.

3 تنمية الذوق والخيال والإبداع: إن تقديم الموروث عبر أطباق فنية تربوية توعوية – كمسرحة الأمثال، وتحويل الحكايات إلى قصص مصورة – سيرهف ذوق التلميذ وينمي خياله. فبالخيال يبدأ الإبداع، وبدون خيال لا يوجد إبداع، وبدون ثقافة شعبية لا توجد هوية مبدعة.

التكنولوجيا في خدمة الموروث الشعبي:

من الحفظ إلى الإبداع وبما أننا نعيش في عصر التقدم التكنولوجي والطفرة المعلوماتية ، فلماذا لا نوظف هذا التقدم في الحفاظ على موروثنا الشعبي بدل أن نتركه يندثر؟ فالتكنولوجيا ليست عدوة للتراث، بل يمكن أن تكون أقوى حارس له.

1. الأرشفة الرقمية الذكية: إنشاء منصة وطنية رقمية تجمع الأمثال الشعبية بالصوت والصورة، والحكايات برواية كبار السن أنفسهم قبل أن يرحلوا. تخيل تلميذا في الدار البيضاء يستمع لحكاية بصوت جدة من أزيلال!

2. المتاحف الافتراضية والواقع المعزز: يمكن للتلميذ عبر هاتفه أن يوجه الكاميرا نحو صورة لباس تقليدي في الكتاب المدرسي فيراه مجسما ثلاثي الأبعاد، أو يتجول افتراضيا في سوق شعبي قديم.

3. ألعاب فيديو تعليمية من تراثنا: تصميم لعبة مغربية بطلها “حديدان”، يجتاز فيها التلميذ المراحل عبر حل الألغاز والأحاجي الشعبية، بدل الاكتفاء بالألعاب الأجنبية.

4. الذكاء الاصطناعي “الحكواتي الرقمي”: روبوت دردشة يتكلم بالدارجة والأمازيغية، يحكي للتلاميذ حكاية كل مساء ويشرح لهم معاني الأمثال.

5. إبداع التلاميذ أنفسهم: تشجيع التلاميذ على تسجيل بودكاست مع أجدادهم، أو تصوير فيديوهات قصيرة يعيدون فيها تمثيل مثل شعبي أو حرفة تقليدية.

خاتمة: في ظل غزو العولمة، المدرسة مطالبة بأن تكون حارسة للذاكرة الجماعية والتكنولوجيا سلاح ذو حدين: إذا أهملناها ستطمس هويتنا، وإذا وظفناها بذكاء تربوي ستحول الموروث الشعبي من ذاكرة مهددة بالنسيان إلى محتوى حي يصل إلى جيل الهواتف الذكية بلغته التي يفهمها. فهل آن الأوان لنجعل من التراث جسرا يعبر عليه التلميذ نحو المستقبل وهو متشبث بجذوره؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث