أثار النص الوارد في الامتحان الجهوي الموحد للسنة الثالثة إعدادي نقاشاً مشروعاً حول طبيعة المرجعيات الفكرية التي ما تزال تؤطر بعض المضامين التربوية بالمغرب. فبينما اختار الدستور المغربي منذ سنة 2011 الانتصار للتعدد اللغوي والثقافي، ما تزال بعض النصوص التعليمية تستحضر تصورات تنتمي إلى مرحلة تاريخية وفكرية مختلفة، تقوم على مركزية اللغة العربية باعتبارها التعبير الأوحد عن الهوية الوطنية.
أولاً: المستوى الدستوري: ينطلق النقد هنا من حقيقة دستورية واضحة، وهي أن المغرب حسم رسمياً مسألة الهوية الوطنية حين نص في دستوره على أن الهوية المغربية موحدة بانصهار وتفاعل مختلف روافدها، وفي مقدمتها المكون الأمازيغي باعتباره رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة، كما أقر الأمازيغية لغة رسمية للدولة إلى جانب العربية.لذلك فإن تقديم نصوص تستند إلى تصور أحادي للهوية واللغة يطرح إشكالاً يتعلق بمدى انسجام المضامين التعليمية مع المرجعية الدستورية الحالية. فالمدرسة العمومية مطالبة بعكس الاختيارات الكبرى للدولة، لا إعادة إنتاج تصورات إيديولوجية تعود إلى مرحلة سابقة على التوافق الدستوري الذي أقر التعدد والعدالة اللغوية.
ثانياً: المستوى المعرفي والفكري: ينتمي النص موضوع الامتحان إلى سياق فكري ارتبط بالمشروع القومي العربي في القرن العشرين، وهو مشروع كان يرى في اللغة العربية الركيزة الأساسية للوحدة الثقافية والسياسية. غير أن تطور العلوم الإنسانية واللسانيات الحديثة أظهر أن الهوية ليست معطى ثابتاً أو أحادياً، بل هي بناء تاريخي وثقافي مركب تتداخل فيه اللغة والجغرافيا والتاريخ والذاكرة الجماعية.ومن هذا المنطلق، فإن اعتبار لغة واحدة حاملة حصرية للهوية الوطنية لم يعد ينسجم مع المقاربات العلمية المعاصرة. فالدول الحديثة لا تقاس بمدى توحيدها اللغوي بقدر ما تقاس بقدرتها على تدبير تنوعها اللغوي والثقافي ضمن إطار المواطنة المشتركة.كما أن الفكر الذي دافع عنه علال الفاسي وغيره من منظري القومية العربية يجب أن يُقرأ اليوم باعتباره جزءاً من تاريخ الفكر السياسي المغربي، لا باعتباره مرجعية نهائية أو وحيدة لفهم هوية المغرب المعاصر.
ثالثاً: المستوى البيداغوجي والتربوي: من الناحية التربوية، يفترض أن يكون الامتحان فضاءً لاختبار الكفايات اللغوية والتحليلية للتلميذ، لا وسيلة لترسيخ رؤية إيديولوجية بعينها. فحين يُعرض على المتعلم نص يحمل موقفاً فكرياً محدداً دون موازنته بمرجعيات أخرى تعكس التعدد اللغوي والثقافي المغربي، فإن ذلك يحد من فرص تنمية التفكير النقدي لديه.
وتزداد هذه المفارقة وضوحاً عندما نستحضر المسار الذي عرفته السياسات التعليمية بالمغرب خلال العقود الماضية. فقد تم تقديم التعريب لسنوات طويلة باعتباره خياراً استراتيجياً لبناء المدرسة الوطنية، غير أن النتائج العملية كشفت عن صعوبات كبيرة في ربط التعليم بسوق الشغل وبالبحث العلمي، الأمر الذي دفع الدولة نفسها إلى مراجعة جزء من هذه الاختيارات والانفتاح على تدريس العلوم بلغات أخرى، بالتوازي مع إدماج الأمازيغية في المنظومة التعليمية.
وهذا يؤكد أن الواقع تجاوز كثيراً من الأطروحات التي كانت سائدة زمن المد القومي، وأن المدرسة مطالبة بمواكبة التحولات المجتمعية والمؤسساتية التي عرفها المغرب.
أخيرا، إن الإشكال لا يكمن في حضور نص لعلال الفاسي داخل المقررات أو الامتحانات، فالرجل شخصية بارزة في تاريخ الحركة الوطنية المغربية ومن حق التلاميذ التعرف على أفكاره. غير أن الإشكال يظهر عندما تُقدَّم تلك الأفكار خارج سياقها التاريخي، أو عندما تتحول إلى رؤية شبه وحيدة للهوية الوطنية.إن المغرب اليوم في حاجة إلى مدرسة تعكس حقيقة شخصيته الحضارية المتعددة، مدرسة تُنصف الأمازيغية باعتبارها لغة وثقافة أصيلتين، وتحافظ على مكانة العربية باعتبارها لغة وطنية ورسمية، وتنفتح في الوقت نفسه على اللغات العالمية باعتبارها أدوات للمعرفة والعلم. فبناء المستقبل لا يمر عبر إعادة إنتاج تصورات إقصائية، بل عبر ترسيخ ثقافة الاعتراف والتعدد والإنصاف بين جميع مكونات الهوية المغربية.


Comments
0