باتت ظاهرة التحرش بأشكالها اللفظية الجسدية، والترصد الميداني وعلى المواقع الإلكترونية تُشكل إحدى أكثر المعضلات النفسية والاجتماعية المؤرقة للمجتمع فلم يعد الأمر يقتصر على سلوكيات عابرة في الشارع، بل تحول لدى البعض إلى نزعة عدوانية تلاحق المواطنات في الفضاء العام والافتراضي لتكتمل المأساة حين تتسلل هذه الظاهرة وراء الأسوار المغلقة مستهدفة الفئات الأكثر هشاشة داخل البيت الذي يفترض أن يكون الملاذ الأكثر أماناً.في الفضاء العام، تحولت ملاحقة النساء من معاكسات إلى ترصد منظم يُهدد السلامة الجسدية والنفسية للضحايا، ويعوق حريتهن في الحركة والعمل. ولعل خير دليل على الوحشية التي قد تتطور إليها هذه الظاهرة، هي قصة الضحية (س.ط)، التي تروي تفاصيل مأساتها بنبرة يملؤها البكاء، وكأن الواقعة تتجدد أمامها رغم مرور سنوات.بدأت المأساة بحياة يومية عادية حيث كانت الضحية (س.ط) تتجه صباح كل يوم إلى عملها عبر وسائل النقل العمومي. غير أن هدوء حياتها انقلب إلى توجس دائم بعدما لاحظت سيارة تتوقف بشكل متكرر قبالة منزلها وأمام المحطة لمدة أسبوع كامل. كان ترصداً صامتاً سرعان ما تحول إلى ملاحقة ومحاولات استدراج للركوب بالقوة. ورغم رفضها القاطع وتجاهلها، تطور الترصد اللفظي إلى احتكاك جسدي وتعرض مباشر.وفي أحد الأيام وأثناء عودتها، تفاجأت بالفاعل في حالة هستيرية؛ إذ أقدم على الإمساك بها بقوة محاولاً دفعها داخل السيارة. وعندما علت صرخاتها طلباً للاستغاثة، انهال عليها بالضرب المبرح حتى فقدت وعيها بالكامل. لم تستفق (س.ط) إلا على صوت امرأة مسنة تحاول إسعافها وتسألها بلهجة يسودها القلق: “ياك ما كاين باس؟ واش شفر ليك شي حاجة؟ أعطينا رقم داركم يجيو ياخدوك…”. هذه الحادثة تركت لدى (س.ط) ندوباً جسدية ونفسية عميقة، ورهاباً دائماً تجاه الآخر والمحيط الاجتماعي مما دفعها الى الوقوع في أزمة نفسية وأسرية لم تستطع التغلب عليها إلى حدود اليوم بسبب نظرة المجتمع والمحيطالأسري..فإذا كان خطر الشارع يواجهه الحذر، فإن خطورة التحرش تبلغ ذروتها حين يخترق الحصن العائلي لتتحول “صلة الرحم” إلى غطاء للاعتداء والابتزاز ضد القاصرين. حين يرتدي الخال قناع الريبة وتنفجر صدمة الأم من قلب هذا الجحيم المستتر تروي أم مكلومة واقعة مرعبة اهتز لها وجدانها، بعدما اكتشفت أن التحرش بابنتها القاصر لم يأتِ من غريب، بل من شقيقها (الخال) الذي أُوتمن على صلة الدم والعرض. بدأت الحقيقة تتكشف حين لاحظت الأم تغيراً مفاجئاً ومقلقاً في سلوك ابنتها القاصر، تزامناً مع اهتمام مريب وغير طبيعي من الخال وحرصه الدائم على التواجد معها واصطحابها بمفردها هذا السلوك دفع الأم للمراقبة الدقيقة التي انتهت بالصدمة الكبرى لقد رأته يتقرب من الطفلة بطرق إيحائية و يلمس أماكن حساسة من جسدها، لتقع الأم صريعة هول الصدمة والخيانة العائلية. لكن الطعنة الأوجع جاءت على لسان الطفلة وهي تبكي بمرارة وتقول : “حاولت مراراً أن أقول لكِ.. لكنك كنت تصديني وتقمعيني بطريقة سلطوية!”. عبارات ضاعفت من ذنب الأم، لتدرك أن القسوة والأساليب السلطوية في التعامل مع الأبناء تبني جداراً من الخوف يمنعهم من البوح، ويتركهم لقمة سائغة للمرضى والمنحرفين. تتقاطع القصتان لتكشف عن اختلالات هيكلية تعزز تفاقم التحرش بنوعيه : كالترصد أو الملامسات يشجع المعتدي على تصعيد العنف واستخدام القوة وتسلط الأهل يُفقد الأطفال الأمان والقدرة على البوح، فيما يمنع الخوف من الوصمة المجتمعية الكثير من الضحايا من لم يبلغوا عن اعتداءات الشارع أو الأقارب. بسبب القرابة العائلية.
كيف نستعيد الأمان في الفضاءين العام والخاص؟ إن حماية النساء والأطفال من هذا الجحيم تتطلب حزماً كاملاً ومقاربة شاملة في التشديد القانوني والردع الاستباقي والتعامل الحازم مع حالات الترصد والملاحقة في الشارع بالجدية نفسها المعتمدة في الاعتداء الجسدي، وتسهيل آليات التبليغ وتوفير الحماية للضحايا. كما أن فتح قنوات الحوار الأسري و التخلي عن أساليب القمع والترهيب مع الأبناء وبناء جسور الثقة والإنصات لمخاوفهم وتصديق رواياتهم دون تردد يكسر جدار الصمت ورفض التستر على الجرائم الأسرية تحت ذريعة “ستر العائلة” أو “العيب”، ومحاسبة كل من تسول له نفسه انتهاك براءة الأطفال أو كرامة النساء. توفير الدعم النفسي وتعزيز المراقبة وإنشاء مراكز مواكبة نفسية للضحايا، مع تعزيز التواجد الأمني وكاميرات المراقبة في محطات النقل والأحياء. إن حماية المجتمع واستعادة الأمان لا ينفصلان بين الشارع والبيت بل يبدآن بسيادة القانون ونبذ التبرير، وبناء أسرة قائمة على الحوار واليقظة لحماية كرامة الإنسان وحقه في عيش آمن وكريم.


Comments
0