يشكل تحسين القدرة الشرائية وتعزيز فرص الشغل وتوسيع الحماية الاجتماعية أبرز الملفات التي تنتظر الحكومة المغربية الجديدة، في سياق يتسم باستمرار النقاش حول كلفة المعيشة، ومستوى الدخل، ومدى قدرة السياسات العمومية على الاستجابة للاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية للأسر.
ويضع البرنامج الحكومي، الذي عرضته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري أمام البرلمان يوم الاثنين 19 أكتوبر، هذه القضايا ضمن الأولويات المعلنة للمرحلة المقبلة. غير أن ترجمة الأهداف الواردة في البرنامج إلى نتائج ملموسة تظل مرتبطة بالتدابير التنفيذية، والموارد المالية المتاحة، ومدى التنسيق بين القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية.
وتبرز أهمية هذه الملفات بالنظر إلى تأثيرها المباشر في الحياة اليومية للمواطنين، سواء تعلق الأمر بتكاليف المواد الغذائية والخدمات الأساسية، أو بفرص الحصول على عمل مستقر، أو بتحسين مستوى الأجور والمعاشات.
أسعار المواد الأساسية.. بين تكاليف الإنتاج ومراقبة الأسواق
تحتل أسعار المواد الغذائية موقعاً أساسياً في النقاش المتعلق بالقدرة الشرائية، بالنظر إلى حصتها من نفقات الأسر، خصوصاً الفئات ذات الدخل المحدود والمتوسط.
وتشمل المواد التي يتركز حولها النقاش الدجاج والبيض واللحوم الحمراء، في ظل تساؤلات بشأن تطور أسعارها والعوامل المؤثرة فيها. وقد وردت في معطيات متداولة أسعار تصل إلى 120 درهماً للكيلوغرام في بعض الحالات، غير أن تقييم هذه الأرقام يستلزم تحديد نوع المنتوج ومكان البيع وتاريخ تسجيل السعر، قبل استخلاص أي نتائج بشأن الوضع العام للسوق الوطنية.
وتتداخل في تحديد أسعار المنتجات الغذائية عوامل متعددة، من بينها كلفة الأعلاف والطاقة والنقل، وتكاليف الإنتاج والتخزين والتوزيع، فضلاً عن حجم العرض والطلب ومستوى المنافسة بين المتدخلين.
ويقتضي تحديد الوزن النسبي لكل عامل الاعتماد على معطيات ميدانية وإحصائية دقيقة، بما يسمح بالتمييز بين الزيادات المرتبطة بتكاليف الإنتاج والتغيرات الناتجة عن ظروف السوق، مع التحقق من مدى احترام القواعد المنظمة للمنافسة والتسويق.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية دور أجهزة المراقبة والجهات المختصة بحماية المستهلك، من خلال تتبع تطور الأسعار، ورصد الممارسات المخالفة للقانون عند وجودها، وتعزيز الشفافية في مسارات التوزيع والتسويق.
كما يطرح تدبير الدعم العمومي الموجه إلى بعض القطاعات الاقتصادية مسألة تقييم أثره الفعلي. فالإجراءات الرامية إلى تعزيز العرض أو تخفيف تكاليف الاستيراد والإنتاج تحتاج إلى آليات تسمح بقياس نتائجها، وتحديد مدى انعكاسها على الأسعار النهائية، ومدى تحقيقها للأهداف التي رُصدت من أجلها الموارد العمومية.
التدابير الاقتصادية وضرورة تقييم نتائجها
يستدعي التعامل مع ارتفاع الأسعار تشخيصاً دقيقاً للأسباب، بعيداً عن إرجاع التطورات المسجلة إلى عامل واحد أو افتراض وجود ممارسات منظمة من دون أدلة كافية.
فقد ترتبط بعض الزيادات بعوامل خارجية أو بتكاليف الإنتاج والتوزيع، بينما قد تستدعي حالات أخرى فحص ظروف المنافسة وطريقة تشكل الأسعار داخل السوق. ويظل تحديد هذه العوامل رهيناً بالمعطيات التي توفرها الجهات المختصة.
ومن ثم، فإن التحدي المطروح أمام الحكومة لا يقتصر على الإعلان عن إجراءات لدعم القدرة الشرائية، بل يشمل أيضاً وضع مؤشرات واضحة لتقييم أثرها، وتحديد القطاعات والفئات المستفيدة منها، ورصد أي صعوبات تحول دون بلوغ أهدافها.
كما يتطلب تحسين فعالية التدخل العمومي نشر معطيات تسمح بتقييم نتائج السياسات المعتمدة، بما يعزز الشفافية ويتيح للبرلمان والرأي العام متابعة مدى تنفيذ الالتزامات المعلنة.
ويظل تحقيق التوازن بين حماية المستهلك والحفاظ على الاستثمار المنتج من العناصر الأساسية في هذا المسار، من خلال تطبيق القواعد القانونية على مختلف المتدخلين، وتشجيع المنافسة المشروعة، ومعالجة الاختلالات التي تثبتها عمليات المراقبة والتقييم.
القدرة الشرائية.. ارتباط الدخل بتكاليف المعيشة
تتجاوز مسألة القدرة الشرائية مستوى الأسعار وحده، إذ ترتبط كذلك بتطور الأجور والمعاشات، واستقرار فرص الشغل، وحجم النفقات الأساسية التي تتحملها الأسر.
وفي هذا السياق، تضمن البرنامج الحكومي أهدافاً تتعلق بضبط التضخم، وتطوير الحماية الاجتماعية، ورفع الحد الأدنى للمعاشات تدريجياً إلى 3000 درهم. كما أعلن عن هدف تحقيق نمو اقتصادي متوسط يبلغ 5 في المائة سنوياً، مع السعي إلى حصر التضخم في حدود 2 في المائة.
وتتطلب هذه الأهداف تحديد الوسائل المعتمدة لتحقيقها، والجدول الزمني لتنفيذ التدابير المرتبطة بها، إلى جانب توضيح مصادر التمويل ومؤشرات قياس النتائج.
ويُعد التمييز بين تباطؤ التضخم وانخفاض الأسعار أمراً ضرورياً عند تقييم تطور القدرة الشرائية؛ فتراجع وتيرة ارتفاع الأسعار لا يعني بالضرورة عودتها إلى مستويات سابقة، كما أن أثر أي تحسن اقتصادي في ميزانيات الأسر يتوقف على تطور مداخيلها مقارنة بالنفقات التي تتحملها.
وتندرج ضمن النقاش الاجتماعي مطالب مرتبطة بإصلاح الضريبة على الأجور، وتحسين المعاشات، ومراجعة أوضاع الأرامل، وتخفيف بعض الأعباء المرتبطة بفواتير الكهرباء. وتحتاج هذه الملفات إلى توضيح الإجراءات المقررة، وشروط الاستفادة، والآجال المتوقعة، والانعكاسات المالية لكل تدبير.
كما تشمل المطالب المهنية أوضاع عدد من الفئات، من بينها المتصرفون والمهندسون والتقنيون، خصوصاً ما يتعلق بالترقي والعدالة الأجرية والمسارات المهنية.
ويستدعي التعامل مع هذه المطالب اعتماد مقاربة تراعي تحسين الأوضاع الاجتماعية من جهة، وضمان استدامة الالتزامات المالية من جهة أخرى، مع توضيح القرارات المتخذة والملفات التي لا تزال قيد الدراسة.
التعليم الأولي.. مطالب مهنية واجتماعية مطروحة على الحكومة
بالتزامن مع عرض البرنامج الحكومي أمام البرلمان يوم 19 أكتوبر، نظم عاملون وعاملات في قطاع التعليم الأولي وقفة احتجاجية أمام المؤسسة التشريعية، للمطالبة بتسوية أوضاعهم المهنية والاجتماعية، والإدماج في أسلاك الوظيفة العمومية، وتحسين الأجور.
وأفادت المعطيات الواردة بشأن الواقعة بانتهاء التحركات بتدخل أمني لفض الاعتصام الذي كان مقرراً استمراره خلال الليل.
ويعيد هذا التحرك تسليط الضوء على وضعية العاملين في التعليم الأولي، وطبيعة الإطار المهني والاجتماعي المنظم لعملهم، ومدى استجابة التدابير المعتمدة للمطالب المطروحة.
ويقتضي التعامل مع هذا الملف تحديد الجوانب القانونية والإدارية والمالية المرتبطة بالتسوية المحتملة، وتوضيح اختصاصات الجهات المعنية، فضلاً عن بيان الإجراءات التي يمكن اتخاذها والآجال المرتبطة بها.
كما يرتبط تطوير التعليم الأولي بتوفير شروط مهنية مناسبة للعاملين فيه، إلى جانب تحسين التكوين والتأطير وجودة الخدمات المقدمة للأطفال. ويجعل ذلك من معالجة الأوضاع المهنية والاجتماعية أحد العناصر التي ينبغي أخذها في الاعتبار عند تقييم السياسات الرامية إلى توسيع خدمات التعليم وتحسين مردوديتها.
التشغيل.. تقييم فرص العمل وجودتها
يمثل التشغيل محوراً آخر في برنامج الحكومة الجديدة، في ظل استمرار الحاجة إلى توفير فرص مهنية مستقرة، وتعزيز إدماج الشباب والنساء في سوق العمل.
وقد طُرح هدف إحداث مليون منصب شغل صاف خلال خمس سنوات، بمعدل 200 ألف منصب سنوياً، وهو هدف يرتبط بقدرة الاقتصاد على استقطاب الاستثمارات وتوسيع الأنشطة الإنتاجية وتعزيز مساهمة القطاعات المشغلة.
ويقتضي تقييم هذا الهدف تحديد طبيعة المناصب المنتظر إحداثها، ومدى استمراريتها، ومستوى الأجور المرتبطة بها، وتوزيعها الجغرافي والقطاعي، فضلاً عن قياس أثرها في الفئات التي تواجه صعوبات أكبر في الولوج إلى سوق العمل.
كما ينبغي التمييز بين فرص العمل المستقرة والأنشطة المؤقتة، لأن عدد المناصب وحده لا يعكس بصورة كاملة جودة التشغيل أو قدرته على تحسين الوضع الاقتصادي للأسر.
ويتطلب تقييم البطالة أيضاً اعتماد مقارنات إحصائية دقيقة، تراعي الفترات المرجعية والتعاريف والمنهجيات المعتمدة في احتساب المؤشرات، خصوصاً عند مقارنة بيانات صادرة في ظروف أو وفق أساليب قياس مختلفة.
وفي موازاة ذلك، تبرز أهمية البرامج الموجهة إلى تكوين الشباب ومواكبة المقاولات وتسهيل الانتقال من التدريب إلى العمل. ويظل تقييم هذه البرامج مرتبطاً بنتائجها الفعلية، بما في ذلك عدد المستفيدين الذين تمكنوا من الاندماج المهني، ومدى استقرارهم في الوظائف التي حصلوا عليها.
الحكامة والشفافية.. آليات أساسية لتتبع البرنامج الحكومي
يرتبط تقييم أداء الحكومة بمدى قدرتها على تحويل الأهداف المعلنة إلى إجراءات محددة، وإتاحة المعطيات الضرورية لتتبع التنفيذ وقياس النتائج.
وفي ما يتعلق بالقدرة الشرائية، يشمل ذلك توضيح التدابير المقررة لمراقبة الأسواق، وتقييم أثر الدعم العمومي، وتتبع تطور الأسعار والأجور والمعاشات، مع نشر مؤشرات دورية تسمح بقياس التغيرات المسجلة.
أما في مجال التشغيل، فيتطلب الأمر تقديم بيانات واضحة بشأن فرص العمل المحدثة، وطبيعتها، والفئات المستفيدة منها، ومدى استمراريتها. كما تظل متابعة الإصلاحات الاجتماعية والضريبية ضرورية لتحديد مدى تقدم تنفيذ الالتزامات المعلنة.
وتكتسب ملفات محاربة الفساد وتضارب المصالح والإثراء غير المشروع أهمية في سياق تعزيز الحكامة وحماية المال العام. ويقتضي تقييم التدابير المرتبطة بهذه الملفات الوقوف على الإجراءات القانونية والمؤسساتية المعتمدة، ومدى تنفيذها، والنتائج التي يمكن التحقق منها.
وتشكل الرقابة البرلمانية وآليات التقييم الإداري والمالي عناصر مساعدة على تتبع السياسات العمومية، وتحديد الصعوبات التي تواجه تنفيذها، واقتراح التدابير التصحيحية عند الحاجة.
كما أن تقييم الحكومة الجديدة يستوجب التمييز بين الملفات الموروثة عن المراحل السابقة، والإجراءات التي اتخذتها منذ توليها المسؤولية، والنتائج التي يمكن قياسها خلال فترة زمنية مناسبة.
من الأهداف المعلنة إلى النتائج القابلة للقياس
تتوزع التحديات المطروحة أمام الحكومة الجديدة بين ملفات اقتصادية واجتماعية متداخلة، تشمل أسعار المواد الأساسية، وتطور المداخيل، وفرص الشغل، والأوضاع المهنية، وجودة الخدمات العمومية.
وتتطلب معالجة هذه الملفات تحديد الأولويات وفق معايير واضحة، وربط كل هدف بالإجراءات اللازمة لتنفيذه، والموارد المتاحة، والآجال الزمنية، ومؤشرات قياس النتائج.
كما تظل استمرارية التقييم ونشر المعطيات من الشروط الأساسية لتحديد مدى تقدم السياسات الحكومية، وتمكين المؤسسات والرأي العام من الاطلاع على حصيلتها بصورة موضوعية.
وبالنسبة إلى القدرة الشرائية، فإن المؤشرات الأكثر دلالة ستتمثل في تطور العلاقة بين دخل الأسر ونفقاتها، ومدى تحسن قدرتها على اقتناء المواد الأساسية، إلى جانب أثر التدابير الاجتماعية والضريبية في الفئات المستفيدة منها.
أما في مجال التشغيل، فسيكون من الضروري تقييم عدد فرص العمل المحدثة وجودتها واستمراريتها، ومدى استفادة الشباب والنساء ومختلف الجهات من البرامج المعلنة.
وبذلك، سيظل تقييم البرنامج الحكومي مرتبطاً بما سيتحقق من أهدافه، وبمدى وضوح نتائجه وقابليتها للقياس، وليس بمجرد حجم الالتزامات الواردة فيه. ففعالية السياسات العمومية تتحدد بقدرتها على الاستجابة للحاجات الاجتماعية والاقتصادية، ضمن إطار من الشفافية والمسؤولية واحترام القواعد القانونية.


Comments
0