في مشهد يعكس تعقيد العلاقات الدولية والوطنية، بات التداخل بين الرياضة والسياسة ظاهرة متنامية تجاوزت حدود الملاعب، لتتحول إلى مجال تتقاطع فيه المصالح والحسابات السياسية والاقتصادية والإعلامية، سواء على مستوى المنافسات الدولية أو حتى داخل بعض البطولات المحلية. ويعيد هذا الواقع إلى الأذهان أعمالاً فنية تناولت هذا التشابك منذ عقود، وفي مقدمتها الفيلم المصري الشهير «الراقصة والسياسي»، الذي جسد بأسلوب رمزي تداخل النفوذ والمصالح وتأثيرها في مختلف مناحي الحياة.
ومع تصاعد النقاشات عقب بعض المباريات والقرارات التحكيمية المثيرة للجدل، يرى مراقبون أن الرياضة تحولت إلى صناعة عالمية ضخمة تتجاوز مجرد الترفيه، وأصبح حضور السياسة والاقتصاد والإعلام فيها أكثر وضوحا من أي وقت مضى. فكرة القدم، التي كانت في جوهرها مساحة للشغف والأمل وجسرا للتقارب بين الشعوب، أصبحت في بعض الأحيان سببا في توترات واستقطابات حادة بين الجماهير، الأمر الذي أفقدها جزءاً من رسالتها الإنسانية.
وفي المقاهي والمجالس وفضاءات التواصل الاجتماعي، يتردد كثيراً الحديث عن “كرامة الرياض” باعتبارها قيمة رمزية ترتبط بالنزاهة والاحترام والتنافس الشريف. غير أن الواقع يكشف أحيانا عن مشاهد من الاحتقان والخصام بعد نهاية المباريات، بينما تستفيد جهات متعددة من الزخم الجماهيري والإعلامي الذي تخلقه اللعبة. كما أن الطفرة المالية الهائلة التي عرفتها كرة القدم، من خلال صفقات الانتقال والرعاية والبث التلفزيوني، جعلت منها صناعة تتصدر المشهد الرياضي العالمي، في وقت تراجعت فيه الأضواء المسلطة على رياضات أخرى، مثل كرة السلة وكرة اليد وألعاب القوى.
ومن جهة أخرى، تثير بعض الظواهر المرتبطة بكرة القدم قدراً من القلق، عندما يتحول التشجيع من شغف مشروع إلى تعصب مفرط يقود إلى العنف أو الشغب أو إلحاق الأذى بالنفس والآخرين. وقد شهدت ملاعب عدة حول العالم أحداثاً مؤسفة أودت بحياة مشجعين أو دفعت بعض الشباب إلى الوقوع في مشاكل قانونية بسبب أعمال مرتبطة بالتعصب الرياضي. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: ألم يحن الوقت لإعادة الاعتبار للرياضة باعتبارها رسالة سلام وتربية وتنافس شريف؟
وفي ختام هذا المشهد، تبقى الآراء متعددة ووجهات النظر متباينة، لكن ما يجمعنا أكبر من أي خلاف: حب الوطن، والتمسك بالمنافسة النزيهة، والإيمان بأن الرياضة يجب أن تظل فضاءً للروح الرياضية والعدالة والتسامح. لذلك، فإن تعزيز الوعي بمخاطر تسييس الرياضة واستغلالها في تأجيج الانقسامات، والحفاظ على دورها في توطيد التماسك المجتمعي وتقريب الشعوب، أصبح مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود المؤسسات الرياضية والإعلامية والتربوية، حتى تبقى الرياضة رسالة نبيلة تسمو فوق التجاذبات وتحافظ على جوهرها الإنساني.


Comments
0