انتهت المشاركة الدولية، وحان الوقت لطرح الأسئلة المؤجلة، بعيدًا عن نشوة النتائج والإنجازات. فالحقيقة التي لا ينبغي الهروب منها هي أن البطولة الوطنية تعيش أزمة إنتاج حقيقية، وأن كرة القدم المغربية، على مستوى الأندية، أصبحت تعاني من عقم واضح في صناعة اللاعبين.
لقد تحولت أغلب الأندية إلى مستهلك للمواهب بدل أن تكون منتجة لها. التكوين، الذي يفترض أن يكون العمود الفقري لأي مشروع رياضي، أصبح آخر الأولويات، بينما انصب الاهتمام بالكامل على الفريق الأول، باعتباره الواجهة التي تمنح المسؤولين شرعية البقاء، حتى وإن كانت الفئات السنية تعيش الإهمال، ومراكز التكوين مجرد شعارات تُرفع في التقارير السنوية.
كيف يمكن تفسير وجود أكثر من 400 لاعب في الدوري الاحترافي الأول يتقاضون أجورًا ومنحًا بملايين الدراهم، في الوقت الذي نعجز فيه عن تقديم لاعب واحد يفرض نفسه بشكل دائم داخل المنتخب الوطني؟ هذا الواقع ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لمنظومة فقدت هويتها، وأصبحت تبحث عن الحلول السريعة بدل الاستثمار في المستقبل.
النجاحات التي تحققها المنتخبات الوطنية يجب ألا تتحول إلى ستار يخفي اختلالات البطولة. فالمنتخب يستفيد اليوم من عمل أكاديميات وتجارب احترافية خارجية، بينما يظل مردود البطولة الوطنية في إنتاج اللاعبين محدودًا للغاية مقارنة بحجم الإمكانات التي تُصرف عليها.
اليوم، تقع على عاتق الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم مسؤولية إعادة توجيه البوصلة نحو الأندية. المطلوب ليس فقط تقديم الدعم المالي، بل وضع معايير صارمة تجعل الاستثمار في التكوين شرطًا أساسيًا للاستفادة من المنح، مع مكافأة الأندية التي تنتج اللاعبين وتمنحهم فرصًا حقيقية، ومحاسبة كل من يكتفي بصرف الأموال دون مشروع رياضي واضح، بعد توفير كل شروط النجاح بطبيعة الحال.
إن الاحتراف لا يُقاس بقيمة العقود ولا بعدد الانتدابات، بل بقدرة الأندية على صناعة لاعب يطرق باب المنتخب الأول، ثم يفرض نفسه داخله. وهذه هي المعركة الحقيقية التي يجب أن تخوضها كرة القدم المغربية خلال السنوات المقبلة.
إذا أردنا بطولة قوية، فعلينا أن نبني أندية قوية. وإذا أردنا منتخبًا يحافظ على مكانته قارياً وعالمياً، فلا بد من بطولة تُنتج لاعبين، لا بطولة تستهلك الميزانيات وتستورد الحلول.
لقد آن الأوان لتغيير البوصلة… لأن مستقبل كرة القدم المغربية يبدأ من ملاعب الفئات السنية، لا من صفقات اللحظات الأخيرة.


Comments
0