في مشهد يتكرر يومياً، يكفي أن يوجه المواطن نظره إلى هاتفه ليصطدم بعالمٍ مواز، تتربع فيه إعلانات تروّج بثقة لخدمات مثل “جلب الحبيب” أو “فك السحر” أو “العلاج الروحاني”، وتقطر وعوداً باسترجاع الغائب أو كشف المجهول، كل ذلك مقابل مبالغ مالية تتفاوت. بين فتيل فضول خفيف وشغف بالأمل، تتسلل هذه المضامين إلى النسيج اليومي، محولة الشاشة الصغيرة إلى سوق غير مرئي يغترف من الوهم بلغة معاصرة وأدوات رقمية.
هذه الظاهرة استدعت تحركا برلمانياً لافتا، حيث تقدّمت النائبة حنان أتركين، عن فريق حزب الأصالة والمعاصرة، بسؤال كتابي إلى وزير العدل، دعت فيه إلى تعزيز آليات الرقابة على ما بات يعرف بـ”الشعوذة الرقمية” داخل الفضاءات الإلكترونية. الخطوة أعادت فتح نقاش أعمق من مجرد مضمون عابر على شبكات التواصل، ليصل إلى سؤال جوهري يتعلق بحدود المسؤولية بين حماية المواطنين وضبط فضاء رقمي يتمدد بسرعة فائقة.
في العمق، لا تكمن الإشكالية فقط في غياب القوانين، إذ يؤكد متابعون أن الترسانة القانونية الحالية تكفي لتجريم النصب والاحتيال، سواء بالوسائل التقليدية أو الرقمية. لكن التحدي الأكبر يتمثل في صعوبة التطبيق داخل فضاء دائم التغير، يصعب ملاحقته بالوسائل التقليدية، إضافة إلى ضعف الوعي الرقمي لدى شريحة واسعة من المستخدمين.
أما الأكثر تعقيداً، فهو البعد الاجتماعي لهذه الظاهرة، إذ يرتبط انتشارها بسياقات الهشاشة الاقتصادية، والضغوط النفسية، وفقدان الثقة في الحلول الواقعية. في مناخ كهذا، يتحول الوهم الرقمي إلى بديل سريع لأسئلة معلقة، وفراغ تحاول بعض المنصات تعبئته بوعود سهلة لكنها خادعة.
وفي مقابل هذه المطالب، أثار النقاش البرلماني جدلا سياسيا حول ترتيب الأولويات التشريعية. فبينما يرى فريق أن التصدي للاحتيال الإلكتروني ضرورة ملحة، يعتبر آخرون أن الجهد يجب أن يتركز على القضايا الاجتماعية الكبرى كغلاء المعيشة، والبطالة، وإصلاح التعليم والصحة، والتشريعات ذات الأثر المباشر في حياة الناس.
هكذا يتجدد سؤال يتجاوز الواقعة نفسها: هل نحن أمام محاربة ظاهرة رقمية عابرة، أم أمام حاجة لإعادة التفكير في العلاقة بين المجتمع، والهشاشة، والتكنولوجيا، والدور الحقيقي للمؤسسات في زمن تتحرك فيه الأزمات أسرع من القوانين؟
يبقى المشهد مفتوحاً على مفارقة واضحة: عالم رقمي يعد بحلول سريعة لكنها وهمية، مقابل واقع اجتماعي يحتاج إلى حلول أبطأ لكنها أعمق وأكثر جذرية. وبين هذين المسارين، يتحدد مستقبل النقاش: هل المعركة ضد “الشعوذة الرقمية” مجرد مواجهة مع محتوى مضلّل، أم هي مواجهة مع الأسباب التي تجعل من هذا المحتوى أرضاً خصبة ومؤثرة في آن؟ الرأي العام مدعو اليوم إلى وعي متزن، لا يخلط بين حرية التعبير وحماية المواطن، ولا بين الرقابة المشروعة والتضييق على الفضاءات الرقمية الواعدة.


Comments
0