لم يعد مقنعاً، ولا مقبولاً، الاستمرار في تبرير بعض الممارسات الإعلامية المتكررة بذريعة “الخطأ المهني” أو “السهو التقني”. فحين يتكرر السلوك نفسه، وفي القضايا نفسها، وبالطريقة نفسها تقريباً، يصبح من المشروع بل من الواجب طرح السؤال الحقيقي: هل نحن أمام أخطاء عابرة، أم أمام اختيار تحريري واعٍ يتخفى خلف قناع المهنية؟

قناة الجزيرة، التي تحرص على تقديم نفسها كمنبر دولي مستقل، تجد نفسها مرة أخرى في قلب انتقادات مشروعة، بسبب إصرارها المتكرر على تمرير خرائط مبتورة للمملكة المغربية، في معالجة قضايا يفترض فيها أعلى درجات الدقة والحساسية. وهو سلوك لم يعد يُقرأ باعتباره زلة مهنية، بل ممارسة إعلامية مستفزة، تمس جوهر السيادة وتستخف بذكاء المتلقي.

إن الخريطة في الإعلام ليست مجرد خلفية بصرية محايدة، بل خطاب صامت، ورسالة مشفّرة، وموقف غير معلن. وعندما تختار مؤسسة إعلامية، بحجم وتأثير الجزيرة، أن تُظهر دولة ناقصة التراب، فهي بذلك لا “تخطئ”، بل تقول شيئاً ما، حتى وإن لم تكتبه في العناوين. فالصورة، في هذه الحالة، أبلغ من النص، وأخطر من التعليق.
الأكثر إثارة للاستغراب، أن هذه الانزلاقات تأتي في سياقات يُفترض فيها الانسجام بين المضمون السياسي والتقديم الإعلامي. كيف يمكن الحديث عن تضامن ودعم، بينما تُبث صورة تنسف هذا الخطاب من أساسه؟ وكيف يُطلب من المتلقي تصديق النوايا، في حين تُقدَّم له رموز بصرية تناقضها؟
إن ما يزعج الرأي العام المغربي ليس فقط بتر الخريطة، بل الاستهانة المتكررة بقضية تحظى بإجماع وطني واضح، واعتبارها مجالاً للاجتهاد التحريري أو “الحياد المغشوش”. فقضية الصحراء بالنسبة للمغاربة ليست رأياً سياسياً ولا وجهة نظر إعلامية، بل مسألة سيادة وكرامة وذاكرة جماعية، لا تقبل التلاعب ولا التذاكي.
لقد اعتاد المتابع المغربي، للأسف، على رؤية الجزيرة تخرج بين الفينة والأخرى بتغطيات أو رموز بصرية تثير الجدل حول موقفها الحقيقي من الوحدة الترابية للمملكة. ومع تكرار هذه الوقائع، يصبح الصمت الإعلامي للمؤسسة، أو الاكتفاء بتبريرات عامة، دليلاً إضافياً على غياب المراجعة الداخلية، أو على وجود خلل أعمق في فلسفة التحرير نفسها.الإعلام الذي يدّعي المهنية لا يختبر مصداقيته في القضايا الهامشية، بل في الملفات الحساسة والمعقدة. واحترام سيادة الدول ووحدتها الترابية ليس امتيازاً تمنحه القنوات متى شاءت، بل التزام أخلاقي ومهني لا يقبل الانتقائية. فالحياد الحقيقي لا يكون ببتر الخرائط، ولا بإرسال رسائل ملتبسة، بل بالالتزام الصارم بالوقائع الثابتة والمعترف بها.
إن استمرار قناة الجزيرة في هذا النهج يضعها أمام سؤال محرج: هل هي فعلاً منصة إعلامية حريصة على الدقة والإنصاف، أم أنها أسيرة حسابات تحريرية ضيقة، تدفعها إلى اللعب على الحواف الرمزية للقضايا السيادية؟
وإلى أن تُقدِم القناة على مراجعة صريحة وشجاعة لهذا السلوك المتكرر، سيظل الرأي العام المغربي ينظر إلى مثل هذه التغطيات بعين الريبة، لا لأن المغاربة يرفضون النقد أو الاختلاف، بل لأنهم يرفضون العبث بثوابت وطنية لا تقبل التجزئة، لا على الخريطة، ولا في الوعي، ولا في التاريخ.


Comments
0