في العاشر من أكتوبر من كل عام، يتجدد الحديث عن الصحة النفسية، باعتبارها أحد أهم أركان الصحة الإنسانية، وأساسًا للاستقرار الشخصي والأسري والاجتماعي. إنها مناسبة تدعونا إلى مراجعة نظرتنا إلى الإنسان، وإلى إدراك أن ما يعيشه في داخله يستحق من الاهتمام ما نمنحه لجسده، وأن الألم النفسي يحتاج إلى التفهم والرعاية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والوصم الاجتماعي.الصحة النفسية هي حق إنساني أصيل. فالإنسان قد يبتسم أمام الآخرين، ويمارس عمله، ويؤدي مسؤولياته اليومية، بينما يخوض في أعماقه معارك صامتة لا يراها أحد. وقد يخفي خلف صمته قلقًا متراكمًا، أو حزنًا عميقًا، أو شعورًا بالوحدة، أو إنهاكًا نفسيًا صنعته سنوات من الضغوط والتجارب المؤلمة.ومن الأخطاء الشائعة اختزال المعاناة النفسية في ضعف الشخصية أو نقص الإيمان أو العجز عن مواجهة الحياة. فالصعوبات النفسية ظواهر إنسانية معقدة، تتداخل في نشأتها عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية، وقد تتأثر بالتجارب المبكرة، والعلاقات الأسرية، والظروف الاقتصادية، وضغوط العمل والدراسة، والفقدان، والعزلة، وغيرها من التجارب التي تترك أثرها في توازن الإنسان وقدرته على التكيف.إن الاعتراف بالألم يمثل خطوة أساسية نحو التعافي. فمن حق الإنسان أن يتعب، وأن يطلب المساندة، وأن يجد من يستمع إليه دون سخرية أو تقليل من مشاعره. وقد تكون كلمة حنونة، أو إصغاء صادق، أو موقف داعم، بداية لاستعادة الأمل لدى شخص يشعر بأنه وحيد في مواجهة الحياة.وتؤدي الأسرة دورًا محوريًا في حماية الصحة النفسية، من خلال توفير بيئة يسودها الاحترام والأمان العاطفي والحوار. فالأبناء يحتاجون إلى الاحتواء بقدر حاجتهم إلى التوجيه، والزوجان يحتاجان إلى المودة والتفاهم وتقاسم المسؤوليات، وكل فرد داخل الأسرة يحتاج إلى الشعور بأن مشاعره مسموعة وأن كرامته محفوظة. أما السخرية من الألم، والمقارنة المستمرة، والانتقاد الجارح، والضغط الذي يتجاهل قدرات الإنسان وظروفه، فقد تزيد من معاناته وتضعف ثقته بنفسه.ولا تقل أهمية المؤسسات التعليمية وأماكن العمل ووسائل الإعلام عن دور الأسرة. فبناء مجتمع يحترم الصحة النفسية يقتضي نشر الوعي، وتوفير خدمات نفسية متاحة، وتشجيع الأفراد على طلب المساعدة المتخصصة، وحماية الأطفال والشباب من التنمر والعنف والإقصاء، وترسيخ ثقافة ترى في طلب الدعم علامة وعي ومسؤولية تجاه الذات.كما أن العناية بالصحة النفسية تبدأ من تفاصيل الحياة اليومية: النوم الكافي، والنشاط البدني، والعلاقات الإنسانية الداعمة، وتنظيم الضغوط، وتخصيص وقت للراحة، ووضع حدود صحية في العلاقات، والتعبير عن المشاعر بطريقة متوازنة. وعندما تستمر المعاناة أو تؤثر في الدراسة أو العمل أو العلاقات أو القدرة على ممارسة الحياة اليومية، يصبح اللجوء إلى أخصائي نفسي مؤهل خطوة مهمة لفهم ما يحدث واختيار الدعم المناسب.ومن موقعي كأخصائية نفسية إكلينيكية، أؤمن بأن الإنسان يستحق أن يُستمع إليه دون أحكام، وأن تُفهم معاناته في سياقها الإنساني، وأن يجد المرافقة النفسية التي تحترم خصوصيته وكرامته. فالممارسة النفسية مسؤولية أخلاقية وعلمية، تقوم على الإصغاء والتقييم المهني واحترام السرية، وعلى مساعدة الإنسان في اكتشاف موارده الداخلية وتطوير قدرته على مواجهة الصعوبات.وفي اليوم العالمي للصحة النفسية، علينا أن نتجاوز الاحتفاء بالمناسبة إلى الالتزام بمعناها؛ أن نمنح الألم النفسي حقه من الاهتمام، وأن نراجع الكلمات التي نقولها لمن يعاني، وأن نكف عن مطالبة الآخرين بالقوة الدائمة، وكأن الإنسان لا يحق له أن يضعف أو يحتاج إلى المساندة.فلنجعل الصحة النفسية ثقافة يومية، تبدأ من البيت، وتترسخ في المدرسة، وتُصان في أماكن العمل، وتجد مكانها في السياسات الصحية والاجتماعية. فالمجتمع السليم نفسيًا هو مجتمع يمنح أفراده فرصة العيش بكرامة، ويعترف بحقهم في الرعاية، ويعامل معاناتهم بالرحمة والعلم والمسؤولية.الصحة النفسية حق لكل إنسان، والاهتمام بها مسؤولية مشتركة، والإنصات قد يكون بداية نجاة، وكلمة رحيمة قد تفتح نافذة أمل، ومساعدة متخصصة قد تمنح إنسانًا فرصة جديدة للحياة.بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، لنجعل رسالتنا واضحة: لا وصم للمعاناة، ولا خجل من طلب المساعدة، ولا إنسان ينبغي أن يواجه ألمه وحيدً.
الصحة النفسية… حق إنساني وضرورة لحياة متوازنة


Comments
0