ليس كل من غادر وطنه كان يحلم بالغربة، وليس كل من نجح فيها نسي وطنه
هناك من غادر بحثًا عن فرصة، ومن خرج طلبًا للعلم، ومن أراد أن يبني مستقبله، ومن هاجر لأن الحياة في بلده لم تعد تتسع لطموحه، وهناك من لم يغادر بحثًا عن حياة أفضل بقدر ما غادر هربًا من حياة أصبحت أثقل من قدرته على الاحتمال. وبين هؤلاء جميعًا حكاية إنسانية لا تظهر في صور المطارات، ولا في أرقام التحويلات المالية، ولا في قصص النجاح: إنسان قد يربح في الخارج أكثر مما كان يحلم به، لكنه يظل يدفع من عمره وقلبه ثمنًا اسمه الغياب.
المهجر والهجرة والمهاجر كلمات تبدو بسيطة، لكنها تحمل خلفها عوالم كاملة. فالهجرة ليست مجرد انتقال من بلد إلى بلد، ولا هي مجرد حقيبة وجواز سفر وطائرة تقلع. إنها انتقال للإنسان نفسه؛ بذاكرته ولهجته وطفولته وعلاقاته وخوفه وأحلامه وجراحه. يخرج الإنسان من المكان، لكن المكان لا يخرج منه بسهولة. قد تتغير ملامحه ولغته وعمله ودخله، وحتى طريقة تفكيره، لكن هناك جزءًا منه يبقى معلقًا في المكان الذي غادره.
والغريب أن المهاجر قد يكتشف في الخارج أنه كان قادرًا على أكثر بكثير مما كان يتصور. قد يبدأ من الصفر، ثم يصعد درجة بعد أخرى حتى يصل إلى مكان لم يكن يجرؤ على تخيله. قد يصبح مديرًا أو خبيرًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو صاحب شركة أو رجل أعمال أو مسؤولًا في مؤسسة دولية. وقد ينتقل من حياة كان يحسب فيها كل خطوة إلى حياة يمتلك فيها بيتًا وسيارة ودخلًا محترمًا واستقرارًا وتأمينًا وحقوقًا واضحة ومكانة اجتماعية ومهنية لم يكن يتخيلها.
بل إن بعض المهاجرين يصلون إلى أبعد من ذلك بكثير؛ يحصلون على الإقامة الدائمة، ثم على المواطنة الكاملة في دول كانوا في طفولتهم لا يعرفونها إلا من خلال الأفلام والتلفزيون والصور. دول كانت تبدو بعيدة ومختلفة، وربما خيالية، لطفل يجلس أمام شاشة في بيت متواضع، ثم يجد ذلك الطفل نفسه، بعد سنوات، يحمل جواز تلك الدولة ويتمتع بحقوق مواطن كامل فيها، ويعيش في مدينة كان يراها يومًا من وراء الشاشة. وقد تصبح تلك الدولة وطن أبنائه، ويصبح ما كان يبدو حلمًا بعيدًا جزءًا من حياته اليومية.
إنها مفارقة تستحق التأمل: أن يتحول ما كان يبدو حلمًا سينمائيًا إلى واقع يومي؛ أن يمشي الإنسان في الشوارع التي كان يشاهدها في الأفلام، وأن يصبح له عنوان في ذلك البلد، وحساب مصرفي فيه، وعمل فيه، وأصدقاء فيه، وربما أبناء يولدون فيه ويحملون جنسيته.
وقد يصل المهاجر إلى درجة من النجاح لم يكن الوطن نفسه قادرًا على تخيلها له، وربما يصبح بعد سنوات شخصًا مختلفًا تمامًا عن ذلك الذي غادر قبل سنوات. لكن هنا يبدأ ذلك «اللكن» الذي لا يظهر في صور النجاح.
فالإنسان يستطيع أن يغير عنوانه، لكنه لا يستطيع بسهولة أن يغير ذاكرته. قد يحصل على أفضل وظيفة، وأعلى راتب، وأقوى جواز سفر، وأجمل منزل، وأوسع دائرة علاقات، ويعيش في دولة توفر له القانون والأمن والحقوق والفرص، ومع ذلك يبقى داخله شيء لا تستطيع كل هذه الأشياء أن تملأه.
قد يرن هاتفه في منتصف الليل، فيعرف أن أباه في المستشفى، أو أن أمه سقطت، أو أن أخاه تعرض لحادث، أو أن صديق طفولته توفي، أو أن قريبًا له يحتضر. وفي تلك اللحظة لا يعود للمنصب معنى، ولا للسيارة، ولا للبيت، ولا للجواز، ولا للحساب المصرفي. يصبح كل ما يريده هو أن يكون هناك، بجانب من يحب، لكن المسافة قد تكون آلاف الكيلومترات، وقد تكون الطائرة بعد ساعات، وقد يكون الدفن بعد وقت قصير، وقد يصل بعد انتهاء كل شيء.
وماذا لو مات أحد والديه قبل أن يصل؟ هذه ليست مبالغة أدبية، بل واحدة من أقسى فواتير الهجرة. قد يسمع المهاجر خبر الوفاة عبر الهاتف، ويرى الناس مجتمعين حول الجثمان من خلال شاشة صغيرة، بينما هو واقف وحده في غرفة بعيدة. وقد تنتهي مراسم الدفن قبل وصوله، فيكتشف أن بعض اللحظات لا يمكن تأجيلها، وأن بعض الخسارات لا يمكن تعويضها، وأن المال والنجاح والجوازات والجنسيات لا تستطيع أن تعيد دقيقة واحدة فاتت.
ثم ماذا لو كان المريض هو المهاجر نفسه؟ هناك مهاجر يدخل غرفة العمليات في بلد بعيد ولا يسمع صوت أمه، ومن يعيش مرضًا طويلًا ولا يجد إلى جانبه إلا شخصًا تعرف إليه بعد الهجرة، ومن يواجه الألم والعجز والخوف وحده، بلغة مختلفة ونظام صحي مختلف وبيئة لا يعرف فيها أحد تاريخه منذ الطفولة.
وهناك من يخرج من المستشفى ويعود إلى شقته الفارغة، ثم يغلق الباب ويواجه وحده ما لا يراه الناس. وقد تكون الوحدة أشد من المرض أحيانًا؛ لأن الوحدة في المهجر ليست بالضرورة غياب الناس، بل قد تكون أن تكون محاطًا بمئات الأشخاص، تعمل معهم وتجلس معهم وتضحك معهم، لكنك لا تجد بينهم شخصًا يعرفك منذ البداية؛ يعرف لماذا تضحك، ولماذا تصمت، وما الذي يؤلمك، ومن أين أتيت، وما الذي فقدته.
وقد يشتري المهاجر بيتًا كبيرًا، ثم يكتشف أن الغرف الواسعة لا تستطيع أن تملأ فراغ صوت أمه، وقد يصبح مواطنًا كامل الحقوق في دولة أخرى، لكنه يظل في داخله ابن ذلك البيت القديم الذي كان ينتظر فيه عودة أبيه. وقد يحتفل بنجاحه ولا يجد الشخص الذي كان يتمنى أن يراه فخورًا به، أو يحتفل بمولود جديد بينما والده أو والدته في بلد آخر، أو يشاهد عرس أحد أفراد عائلته عبر شاشة الهاتف، أو يستقبل خبر وفاة شخص عزيز وهو بعيد.
وليت الذاكرة تمحى أحيانًا؛ ليس لأن المهاجر يكره ماضيه أو يريد أن يتبرأ من وطنه، بل لأنه يريد أن يعيش كاملًا في مكان واحد. ليت الذاكرة تستطيع أن تمحو المسافات، وأن تمنع القلب من أن يعيش نصفين: نصفًا هنا، حيث الحياة التي بناها، ونصفًا هناك، حيث الأشخاص الذين صنعوا ذاكرته الأولى.
فأقسى ما في الغربة ربما ليس أن تكون بعيدًا، بل أن تصبح موزعًا بين مكانين؛ جسدك هنا، وذاكرتك هناك، وأطفالك يتحدثون لغة جديدة، وقلبك يفتش عن كلمات أمه الأولى، ومستقبلك هنا وماضيك هناك. وكلما حاولت أن تنتمي بالكامل إلى أحد المكانين، تذكرك الذاكرة بأنك تركت جزءًا منك في المكان الآخر.
وقد يعود المهاجر بعد سنوات، فيجد أن الوطن تغير، والحي تغير، والبيت تغير، والناس كبروا، وبعضهم رحل. وقد يجد أن المكان الذي كان يحمله في ذاكرته لم يعد موجودًا كما تركه، وقد يكتشف أنه تغير هو أيضًا. وهنا يصبح المهاجر أحيانًا غريبًا في وطنه، وغريبًا في غربته؛ لا هو قادر على العودة كما كان، ولا هو قادر على نسيان ما كان.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال الهجرة في الألم. فهناك مهاجرون صنعوا قصص نجاح لافتة. خرجوا بإمكانات محدودة، ثم عادوا أو بقوا في الخارج وقد تجاوزوا كل ما كانوا يتصورونه لأنفسهم. بعضهم حصل على تعليم لم يكن متاحًا له، وبعضهم وجد نظامًا يحمي اجتهاده، وبعضهم اكتشف أن المشكلة لم تكن في قدرته، بل في البيئة التي لم تمنحه الفرصة.
وقد يكون هذا هو الوجه الأكثر إثارة للتأمل في القصة: أن يثبت الإنسان في الخارج أنه كان قادرًا على النجاح، بعدما قضى سنوات في الداخل وهو يعتقد أن المشكلة فيه.
وهنا يظهر السؤال الوطني الكبير: كم من إنسان لم يكن يحتاج إلى الهجرة كي ينجح، بل كان يحتاج فقط إلى فرصة عادلة؟ كم من شاب كانت لديه فكرة ولم يجد من يسمعه؟ كم من مشروع توقف لأن صاحبه لم يجد تمويلًا أو حماية أو شريكًا؟ كم من كفاءة اصطدمت بعراقيل؟ وكم من صاحب موهبة أقنع نفسه أخيرًا بأن عليه الرحيل؟
ليس كل من هاجر ضحية، كما أن كل قرار داخل الوطن ليس ظلمًا. الحياة أكثر تعقيدًا من ذلك. هناك من يهاجر لأنه يريد اكتشاف العالم، ومن يريد دراسة تخصص غير متاح في بلده، ومن يبحث عن مستوى معيشي أعلى، ومن يحب المغامرة، ومن يريد أن يبني حياة مختلفة. وهذه خيارات مشروعة ومحترمة.
لكن هناك آخرين خرجوا لأن ظروفًا معينة دفعتهم إلى ذلك؛ ربما بسبب قرار إداري، أو صعوبة في الحصول على فرصة، أو تعثر مشروع، أو تجربة مهنية لم تكن كما توقعوا، أو شعور بعدم الإنصاف، أو ظروف شخصية ومهنية متراكمة.
وربما كانت هناك لحظة واحدة فقط. فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى عشرين سببًا كي يغادر وطنه؛ أحيانًا يحتاج إلى سبب واحد يقع في اللحظة الخطأ. قرار واحد قد يغير مسار حياة كاملة، ورفض واحد قد يقتل مشروعًا، وتجربة واحدة قد تهز الثقة، وضياع فرصة واحدة قد يدفع صاحبها إلى البحث عن بلد آخر.
ولهذا، قبل أن نسأل المهاجر: «لماذا هاجرت؟»، ربما يجب أن نسأل سؤالًا أكثر عمقًا: ماذا حدث حتى أصبحت الهجرة خيارًا؟ ما الظروف التي دفعته إلى الرحيل؟ وهل كان من الممكن معالجة بعضها قبل أن تتحول إلى قرار بالمغادرة؟
وقد يكون السؤال الأهم: هل نعرف أصلًا كم شخصًا غادروا لأنهم فقدوا الأمل، وليس لأنهم فقدوا الوطن؟
إن أخطر ما في الهجرة ليس أن المواطن يغادر، بل أن تصبح مغادرته عادية؛ أن يغادر شخص اليوم، ثم آخر غدًا، ثم جيل كامل، فنكتفي بالنظر إلى أرقام التحويلات المالية ونفرح بما يرسله المهاجرون، بينما لا نسأل أنفسنا عن الذي أخذناه منهم في المقابل: شبابهم، ووقت أسرهم، وحضورهم في مناسباتهم، وربما جزءًا من حياتهم.
ولنتخيل شابًا يدخل مكتبًا يحمل شهادة وفكرة ومشروعًا. يخرج بعد ساعة محبطًا. بعد عام يغادر. بعد خمس سنوات يصبح مديرًا في مؤسسة عالمية. بعد عشر سنوات يؤسس شركة توظف مئات الأشخاص، وبعد عشرين سنة يحمل جنسية دولة كان يراها في الأفلام.
السؤال الذي يجب أن يدفعنا إلى التأمل ليس فقط: كيف نجح هناك؟ بل: هل كان يمكن أن يجد الظروف التي تساعده على النجاح هنا أيضًا؟
وتخيلوا مهاجرًا آخر لم يغادر لأنه فقير، بل لأنه شعر أن ظروفه لم تعد تسمح له بالاستمرار. ماذا لو كان القرار الذي دفعه إلى الرحيل قابلًا للمراجعة؟ ماذا لو وجد مؤسسة تسمعه؟ ماذا لو عولجت مشكلته في الوقت المناسب؟ ربما كانت تلك الخطوة كافية لتغيير مسار حياته.
وتخيلوا أمًا تنتظر ابنها الذي وعدها بالعودة. يكبر الابن، ويستقر، ويتزوج، ويحصل على الجنسية، وينجب أطفالًا، ويصبح جزءًا من المجتمع الجديد. ثم تكبر الأم، ويمرض الأب، وتمضي السنوات، وفي يوم ما يصبح الرجوع مجرد تذكرة إلى جنازة.
هل تستطيع التنمية أن تعوض ذلك؟ هل يستطيع الاقتصاد أن يعيد حضنًا؟ هل تستطيع المواطنة الجديدة أن تعيد أبًا رحل؟ وهل يستطيع النجاح أن يعيد مناسبة فاتت؟
هذه ليست أسئلة ضد الهجرة، بل أسئلة حول كلفة الغياب.
فالمهاجر ليس خائنًا لأنه غادر، كما أنه ليس بطلًا لمجرد أنه غادر. هو إنسان اتخذ قرارًا في ظروف معينة وحمل معه قصة لا نعرف تفاصيلها كاملة. ولذلك لا ينبغي أن تتحول الهجرة إلى محاكمة أخلاقية للمهاجر.
بدل أن نقول له: «لماذا تركت وطنك؟»، علينا أن نمتلك الشجاعة لنسأل: ماذا يمكن أن نفعل حتى يشعر أبناء الوطن بأن مستقبلهم يمكن أن يبدأ وينمو داخل وطنهم أيضًا؟
وإذا أردنا أن يعودوا، فلا يكفي أن نقول لهم: «عودوا». العودة تحتاج إلى وطن يستطيع أن يستقبلهم بالثقة نفسها التي وجدوا بها الفرصة في الخارج. تحتاج إلى إدارة تقدر الكفاءة، ومؤسسات تحترم الاستقلالية، وقضاء يشعر الإنسان معه بأن حقه يمكن أن يُستعاد، وسوق يعطي الفرصة لمن يستحقها، ونظام يجعل القانون أقوى من العلاقات.
ولا نحتاج إلى وطن يمنع أبناءه من السفر؛ نحتاج إلى وطن لا يجعل السفر علاجًا لليأس. نحتاج إلى وطن يستطيع فيه الشاب أن يقول: «سأبقى لأنني أستطيع أن أنجح هنا»، لا: «سأرحل لأنني لا أستطيع أن أنجح هنا».
ونحتاج إلى أن نفهم أن الإصلاح الحقيقي لا يبدأ عند المطار، بل قبل المطار بكثير؛ يبدأ عندما يُحترم المواطن في مكتبه ومدرسته وجامعته ومؤسسته ومحكمته، وعندما تصبح الفرصة حقًا لا منحة، وعندما يعرف صاحب القرار أن توقيعه ليس حبرًا على ورق، بل قد يكون له أثر مباشر في مستقبل إنسان كامل.
فربما تكون بالنسبة إلى المسؤول مجرد معاملة، وبالنسبة إلى المواطن حياته كلها. ولهذا، على كل مسؤول وكل مؤسسة وكل صاحب قرار أن يسأل نفسه قبل اتخاذ قرار قد يغير حياة إنسان: هل أنا أمام ورقة أم أمام إنسان؟
وعلى الدولة أن تنشئ آليات مستقلة وفعالة لسماع المظالم، ومراجعة القرارات، وحماية الكفاءات، وضمان احترام حقوق المواطنين، وأن تتعامل مع قصص الهجرة باعتبارها مؤشرات تستحق الدراسة، لا مجرد أرقام تُحصى.
كما يجب أن تتحول العلاقة مع الجالية من علاقة مالية موسمية إلى علاقة وطنية ومؤسساتية كاملة: الاستفادة من خبراتها، وإشراكها في التنمية، وتسهيل عودتها، وحماية استثماراتها، والاستماع إلى مشاكلها، وعدم التعامل معها فقط عندما تكون هناك حاجة إلى تحويلاتها أو حضورها الرمزي.
فالمهاجر الذي يحمل اليوم جواز دولة أخرى قد يحمل غدًا مشروعًا لوطنه الأول، وخبرة يمكن أن تفيد أبناءه، وشبكة علاقات دولية، ورأس مال، ومعرفة، وتجربة مؤسساتية.
والسؤال ليس كيف نعيده بالقوة، بل كيف نجعل علاقته بوطنه قوية إلى درجة أن نجاحه في الخارج يصبح مكسبًا للوطن أيضًا.
ولمن كان سببًا، بشكل مباشر أو غير مباشر، في رحيل إنسان، يمكن القول إن ما يبدو قرارًا عابرًا أو إجراءً محدودًا قد تكون له بالنسبة إلى شخص آخر آثار بعيدة المدى. فقد تكون لحظة، أو قرارًا، أو توقيعًا، أو رفضًا، أو فرصة لم تتحقق، لكنها بالنسبة إلى ذلك الإنسان ربما كانت اللحظة التي قسمت حياته إلى «قبل» و«بعد».
لذلك، لا تجعلوا القرارات الصغيرة تصنع غربات كبيرة، ولا تجعلوا صعوبات الإدارة تتحول إلى دوافع للرحيل، ولا تجعلوا الكفاءة التي لم تجد مكانًا مناسبًا في وطنها تبني نجاحًا في بلد آخر، ثم نتساءل بعد سنوات: لماذا رحلوا؟
وليس المطلوب أن نخاف من الهجرة، بل أن نفهمها. وليس المطلوب أن نلوم المهاجر، بل أن نسمع قصته. وليس المطلوب أن نغلق أبواب العالم أمام أبنائنا، بل أن نفتح لهم في وطنهم أبوابًا تستحق أن يبقوا من أجلها.
فالمهاجر قد يحقق نجاحات مهنية ومالية وإنسانية واجتماعية وقانونية تتجاوز كل ما حلم به، وقد يصبح مواطنًا كامل الحقوق في بلد كان يعرفه طفلًا من الأفلام، وقد يعيش في المكان الذي كان يبدو له يومًا بعيدًا ومستحيلًا.
لكنه، مهما بلغ، قد يظل يحمل في داخله سؤالًا لا يجرؤ على طرحه دائمًا: ماذا لو بقيت؟ وربما يكون السؤال الأعمق: ماذا لو لم أضطر إلى الرحيل أصلًا؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها المهاجر وحده. يجيب عنها الوطن، والدولة، والمؤسسة، والمسؤول، والقانون، والمجتمع. يجيب عنها كل قرار اتخذ بعدل، وكل حق أُعيد إلى صاحبه، وكل فرصة مُنحت لمن يستحقها، وكل موهبة حُميت، وكل مظلمة سُمعت قبل أن تتحول إلى حقيبة سفر.
لأن الوطن الذي يريد أبناءه لا يستطيع أن يطلب منهم الحب فقط؛ عليه أن يعطيهم أسبابًا عملية ليحبوا البقاء فيه.
وربما تكون الرسالة الأهم لكل من يملك سلطة القرار: لا تنتظروا المهاجر حتى يعود لتكتشفوا قيمته. اكتشفوا قيمة الإنسان قبل أن يغادر. لا تنتظروا النجاح الذي يصنعه في الخارج لتعرفوا أنه كان يستحق فرصة في الداخل، ولا تنتظروا لحظة الفقد كي تعرفوا كم كان البعد مؤلمًا.
فبعض الخسائر لا تعود، وبعض الفرص لا تتكرر، وبعض الذكريات لا تُمحى.
وقد ينجح المهاجر في أن يعيش بين عالمين، ويحصل على مواطنة كاملة، ويحقق ما لم يحلم به، ويصنع لنفسه حياة جديدة؛ لكن جزءًا منه سيظل يبحث عن وطن لا يجعله مضطرًا إلى الاختيار بين مستقبله وذكرياته.
فالنجاح في الغربة قد يجعل الإنسان أكثر قوة، وأكثر ثراءً، وأكثر علمًا، وربما مواطنًا كامل الحقوق في بلد كان يراه يومًا على شاشة التلفزيون؛ لكن أعظم نجاح لأي وطن ليس أن ينجح أبناؤه بعد أن يغادروه، بل أن يجدوا في وطنهم مناخًا يجعلهم قادرين على النجاح قبل أن يفكروا في الرحيل.
وهنا يجب أن يبدأ الإصلاح الحقيقي: ليس من سؤال «كيف نعيد المهاجر؟»، بل من سؤال «كيف نبني وطنًا لا يحتاج فيه الإنسان إلى مغادرته حتى يكتشف قيمته؟».
وهذا الإصلاح لا يكون بالشعارات ولا بالمناشدات ولا بطلب الولاء من المواطن، بل بإعادة بناء الثقة بين الإنسان والدولة؛ بثقة تقوم على عدالة الفرص، واستقلال المؤسسات، وشفافية القرار، وسرعة إنصاف المظلوم، وحماية الكفاءة، ومحاسبة من يسيء استعمال السلطة، وفتح الأبواب أمام الشباب بدل دفعهم إلى البحث عن أبواب أخرى.
إن الدولة التي تريد الاحتفاظ بأبنائها مطالبة بأن تجعل الكرامة ممارسة يومية، والعدالة حقًا قابلًا للوصول، والفرصة نتيجة للكفاءة، والمساءلة قاعدة لا استثناء.
وعليها أن تراجع القرارات التي قد تكون دفعت بعض الناس إلى الرحيل، وأن تنشئ آليات حقيقية ومستقلة لتصحيح الخطأ قبل أن يتحول إلى قطيعة، وأن تجعل كل مسؤول يعرف أن القرار الإداري قد لا ينتهي عند حدود مكتبه؛ فقد تكون له، بالنسبة إلى إنسان، آثار تمتد إلى اختيارات مصيرية في حياته.
فلا تجعلوا الهجرة آخر حل لمشكلة كان يمكن حلها بعدل، ولا تجعلوا المطار نهاية الحوار بين المواطن ووطنه.
فالذين يغادرون ليسوا دائمًا خسارة للماضي؛ أحيانًا يكونون مؤشرًا يحتاج إلى قراءة في الحاضر واستشراف للمستقبل. وإذا كان من حق الإنسان أن يبحث عن حياة أكرم، فمن حق الوطن أيضًا أن يسأل نفسه بكل شجاعة: لماذا اختار بعض أبنائنا البحث عن تلك الحياة بعيدًا عنه؟
إن الإصلاح الحقيقي يبدأ يوم يصبح المواطن قادرًا على أن يختلف دون أن يُقصى، ويطالب بحقه دون أن يخاف، وينجح دون واسطة، ويخطئ دون أن يُدفن اجتماعيًا، ويجتهد دون أن تُهدر فرصته، ويعبّر عن رأيه دون أن يتحول ذلك إلى عائق أمام مستقبله.
ويبدأ يوم يدرك صاحب القرار أن الإنسان ليس ملفًا، وأن الموهبة ليست رقمًا، وأن الفرصة الضائعة قد تكون خسارة لمسار كان يمكن أن يسهم في بناء الوطن.
عندها فقط يمكن أن تصبح الهجرة اختيارًا، لا هروبًا؛ وأن تصبح المواطنة انتماءً حيًا، لا مجرد جواز سفر؛ وأن يصبح نجاح المهاجر في الخارج امتدادًا لقوة وطنه، لا شهادة على محدودية الفرص في بيئته الأولى.
فلا تنتظروا من المهاجر أن يعود أولًا حتى تصلحوا الوطن. أصلحوا الوطن أولًا، ثم اتركوا له حرية العودة.
لأن أعظم انتصار ليس أن نعيد من رحل، بل أن نمنع الإنسان الذي كان يمكن أن يرحل من أن يشعر يومًا أن الرحيل هو فرصته الوحيدة.
وإذا أردنا أن نعرف قوة الوطن حقًا، فلا نسأل فقط كم شخصًا يحمل جوازه؛ فلنسأل كم إنسانًا يستطيع أن يحلم فيه، وينجح فيه، ويأخذ حقه فيه، ويختلف فيه، ويعيش فيه بكرامة، دون أن يضطر في النهاية إلى حزم حقيبته.
فقد يربح المهاجر العالم كله، وقد يحصل على جنسية البلد الذي كان يراه في الأفلام، وقد يتجاوز كل أحلامه الأولى، لكن الوطن الذي ينجح في جعل أبنائه يحققون أحلامهم دون أن يخسرهم في الطريق هو الوطن الذي انتصر فعلًا.
وهذا هو الإصلاح الذي يستحق أن نبدأه اليوم، قبل أن يصبح رحيل الغد خبرًا عاديًا، وقبل أن نكتشف أن الذين غادروا لم يكونوا مجرد مهاجرين… بل كانوا جزءًا من المستقبل الذي كان يمكن أن نصنعه هنا.


Comments
0