أصبحنا في المغرب أمام ظاهرة غريبة؛ أشخاص لا علاقة لهم بالمهنة، لا من قريب ولا من بعيد، تحوّلوا فجأة إلى نقاد!
محاسب تحوّل إلى ناقد شفوي… وشاعر وجمعوي فاشل تحوّل إلى ناقد حاقد… وسينيفيلي ترعرع كـ«نيش» في الأندية السينمائية، تحوّل بدوره إلى ناقد…
وأستاذ في التعليم، الجامعي أو الابتدائي، يعاني من الرطوبة داخل القسم، تحوّل إلى ناقد…
ومخرجون بالصدفة، وبفضل التملق ولعيق الأحدية والهريف، تحوّلوا إلى نقاد وأساتذة في الجامعة، بمنطق «حمل محفظة الأستاذ أثناء الإعداد للبحث».
وصحافيون متحزبون، سكيرون بلا مذهب، لا يميّزون أساسًا بين النقد والكتابة الصحافية…
وقصاصون وكتّاب رأي، بعدما فشلوا في كتابة السيناريو والإخراج، قرروا فجأة امتهان «سنطحة النقد»!
والمفارقة الكبرى أن لا أحد من هؤلاء تقريبًا يعيش من النقد بوصفه مهنة متخصصة؛ أي ممارسة يومية قائمة على المواكبة والبحث والقراءة والكتابة والتحليل والتراكم المعرفي.
ثم نصمت.
لكننا نعرفهم، ويعرفون أننا نعرفهم؛ ولهذا يلجؤون إلى التحريض من تحت الحزام.
ثم نعلم ونصمت.
لأن الناقد السينمائي أو الفني، في معناه المهني، هو من راكم معرفة متخصصة، ودرس المجال، وأنجز بحثًا نقديًا جادًا، ثم واصل الاشتغال في المسار نفسه، قراءةً وتحليلًا وكتابةً ومواكبةً، وجعل من النقد ممارسة مستمرة تقوم على المعرفة والمنهج والتراكم، لا على الصدفة أو العلاقات أو تصفية الحسابات أو الفراغ.
أما ما عدا ذلك، فلا يعدو أن يكون هواية أو انطباعات شخصية، مهما ارتفع صوت أصحابها أو اتسعت دائرة علاقاتهم.
فليس كل من شاهد فيلمًا ناقدًا، وليس كل من كتب مقالًا صحافيًا ناقدًا، وليس كل من أخرج فيلمًا مؤهلًا تلقائيًا لممارسة النقد، كما أن الانتساب إلى الجامعة أو التسلل إلى فضاءاتها بمنطق «باك صاحبي» لا يصنع ناقدًا ولا يمنح صاحبه شرعية معرفية.
النقد مهنة ومسؤولية وممارسة معرفية، وليس لقبًا يُوزَّع بالمجاملة، ولا منصةً لتصفية الحسابات، ولا حرفةً طارئة يمارسها من فشلوا في مسارات أخرى.
أما أولئك الذين يسنطحون العالم باسم النقد، فالمشكلة ليست في كونهم هواة، وإنما في رغبتهم في أن يُعاملوا بوصفهم مرجعيات، من دون أن يتحملوا أعباء المعرفة أو شروط المهنة.
وهنا يكمن جوهر الحكاية.


Comments
0