أثار اعتماد رسوم مالية لمتابعة الدراسة في مسالك التوقيت الميسر بالجامعات العمومية المغربية نقاشاً بشأن حدود تمويل التعليم العالي، ومدى التوفيق بين متطلبات تنظيم المسارات الجامعية وضمان مبدأ تكافؤ الفرص، خصوصاً بالنسبة إلى الموظفين الراغبين في استكمال دراساتهم العليا.
ويأتي هذا النقاش في سياق تصريحات بشأن تسجيل انخفاض في نسبة الاكتظاظ الجامعي بنحو 30%، وهي حصيلة تطرح تساؤلات حول طبيعة المؤشرات المعتمدة لقياس هذا التراجع، ومدى ارتباطه بتحسين ظروف الاستقبال والتأطير، أو بتراجع أعداد المسجلين نتيجة الشروط المالية والتنظيمية الجديدة.
وتتمحور أبرز الانتقادات حول الرسوم المحددة في 20 ألف درهم سنوياً بسلك الدكتوراه، و15 ألف درهم بسلك الماستر، باعتبارها مبالغ قد تشكل عبئاً إضافياً على فئات من الموظفين، ولا سيما ذوي الدخل المحدود، في ظل التزاماتهم المهنية والاجتماعية.
ويستند الرافضون لهذه الرسوم إلى اعتبار التعليم العالي العمومي خدمة أساسية ممولة من المال العام، مؤكدين أن تمويلها من الضرائب يقتضي توضيح الأسس القانونية والتنظيمية لأي مساهمة مالية إضافية، مع مراعاة القدرة الشرائية ومبدأ العدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يثير منتقدو نظام الأداء تساؤلات بشأن المقارنة بين التعليم العمومي والخصوصي، معتبرين أن لجوء بعض الأسر إلى مؤسسات خاصة لتدريس أبنائها لا يشكل مبرراً كافياً لفرض رسوم إضافية على خدمات التعليم العمومي، بالنظر إلى اختلاف ظروف الولوج والتكاليف والخيارات المتاحة أمام المواطنين.
كما يلفت هذا النقاش إلى ضرورة توضيح المعايير التي تحكم تحديد الرسوم، وكيفية احتسابها، وطبيعة الخدمات الجامعية المقابلة لها، فضلاً عن ضمان الشفافية في تدبير الموارد المالية المتحصلة منها.
وعلى المستوى القانوني، يطرح الملف تساؤلات حول السند التشريعي المعتمد لفرض هذه الرسوم، ومدى انسجام الإجراءات التنظيمية المتخذة مع المقتضيات القانونية المؤطرة للتعليم العالي، ولا سيما القانون رقم 59.24، الذي يستدعي تحديد نطاق تطبيق أحكامه ذات الصلة بالتسجيل والتوقيت الميسر.
وتبرز، في هذا الإطار، أهمية التمييز بين التوصيات الصادرة عن الهيئات الجامعية والمقتضيات الملزمة قانوناً، والتحقق من الأساس القانوني للاستخلاص، باعتبار أن مشروعية الرسوم العمومية تظل مرتبطة بالنصوص المنظمة لها، وليس فقط بالقرارات أو التوصيات التدبيرية.
ومن بين الإشكالات المطروحة أيضاً، ما يثار بشأن توجيه بعض الموظفين إلى مسالك التوقيت الميسر دون إتاحة خيارات كافية لمتابعة الدراسة بالتوقيت العادي، حتى في الحالات التي تسمح فيها ظروف العمل، أو التراخيص الإدارية، بالتوفيق بين الدراسة والوظيفة.
ويثير هذا الوضع نقاشاً حول مدى مرونة أنظمة التسجيل، وضرورة اعتماد معايير واضحة ومنصفة تراعي اختلاف الوضعيات المهنية والاجتماعية، إلى جانب مراجعة شروط الاستفادة من الإعفاءات أو التكفل بمصاريف الدراسة، بما يضمن عدم إقصاء الفئات ذات الدخل المحدود.
كما أن وصف هذه المسالك بالتوقيت الميسر يقتضي، بحسب منتقدين، تقييم استعمالات الزمن وظروف الدراسة، خاصة عندما تمتد الأنشطة الجامعية من الاثنين إلى الأحد، ومن الثامنة صباحاً إلى الثامنة مساءً، بما يستدعي توضيح مدى ملاءمة هذه البرمجة لالتزامات الموظفين والطلبة.
ويعيد هذا الجدل إلى الواجهة سؤال الأولويات في إصلاح الجامعة العمومية، بين اعتماد تدابير تنظيمية ومالية للحد من الاكتظاظ، والاستثمار في البنيات الجامعية والموارد البشرية وتحسين جودة التأطير والتكوين.
وفي انتظار توضيح المعطيات المرتبطة بنسبة انخفاض الاكتظاظ، وأثر الرسوم على أعداد المسجلين وتكافؤ الفرص، تظل الحاجة قائمة إلى تقييم موضوعي لنتائج هذه الإجراءات، ومدى مساهمتها في تحسين جودة التعليم العالي، دون المساس بإمكانية الولوج إليه.
ويظل الرهان الأساسي هو إرساء مقاربة متوازنة تجمع بين استدامة تمويل الجامعات العمومية، واحترام الضوابط القانونية، وضمان الإنصاف في الولوج إلى التكوين، بما يصون مكانة الجامعة باعتبارها مرفقاً عمومياً أساسياً وأداة للارتقاء الاجتماعي والمعرفي.


Comments
0