في الدار البيضاء، لا تبدو التحولات العمرانية مجرد مشاريع عادية، بل أشبه بعملية إعادة رسم شاملة لملامح المدينة. واجهات تتغيّر، مساحات تُفتح، وأحياء تختفي من الخريطة كما لو أنها لم تكن يومًا مأهولة بالحياة. غير أن ما يُقدَّم كمسار نحو الحداثة، يخفي في عمقه ارتباكًا إنسانيًا لا يمكن تجاهله.البناء الصفيحي والعشوائي لم ينشأ صدفة، بل كان نتيجة عقود من الهشاشة، والهجرة، وغياب التوازن بين النمو الديمغرافي والتخطيط الحضري. هناك، في تلك المساحات المنسية، نسج الناس حيواتهم رغم قسوة الظروف، وصنعوا من القليل استمراريةً ومعنى. واليوم، يجدون أنفسهم في مواجهة قرارات تُتخذ بسرعة، بينما مصائرهم معلّقة بين وعود التعويض وغموض البدائل.
المعضلة ليست في التغيير بحد ذاته، فكل مدينة تحتاج إلى التطور، لكن الإشكال في الطريقة التي يُدار بها هذا التحول. حين يُختزل الإنسان في رقم داخل ملف، وتُختصر قصته في خانة “إعادة الإيواء”، يصبح الإصلاح أشبه بعملية اقتلاع، لا انتقالًا نحو الأفضل.
تُطرح شعارات التنظيم والتأهيل، وتُرفع لافتات التحديث، لكن خلفها يقف سؤال بسيط: هل يُعاد بناء المدينة من أجل سكانها، أم على حسابهم؟فالتغيير الذي لا يضمن الكرامة، ولا يحفظ الاستقرار الاجتماعي، يظل ناقصًا مهما بدا جميلًا في الصور.ما يحدث اليوم يكشف عن معادلة دقيقة: بين الرغبة في مدينة منظمة، والحق في الانتماء إليها. بين تحسين المشهد العمراني، والحفاظ على النسيج الإنساني. وإذا لم تُحترم هذه المعادلة، فإن الخسارة لن تكون في الإسمنت فقط، بل في الثقة.الدار البيضاء ليست مجرد مشروع حضري كبير، بل هي ذاكرة جماعية، وأحلام بسيطة، وأناس يبحثون عن مكانٍ آمن داخلها.وحين تُزيَّن المدينة دون أن يُؤخذ أهلها معها، فإنها تخاطر بأن تصبح أجمل… وأفرغ.


Comments
0