لم تكن بوسكورة سوى جماعة قروية هادئة، نشأت في الأصل كفضاء بديل لفلاحي ضواحي الدار البيضاء الذين أُزيحوا من أراضيهم خلال التوسع الحضري، خاصة في المناطق التي أصبحت تضم مطار أنفا وأحياء حضرية كبرى مثل الحي الحسني. آنذاك، شكلت بوسكورة ملاذًا فلاحياً أعاد ترتيب التوازن الاجتماعي والاقتصادي لفئات فقدت أراضيها الأصلية.لكن هذا الطابع القروي لم يدم طويلًا. مع تحولات الاقتصاد الوطني، تحولت بوسكورة تدريجيًا إلى قطب صناعي مهم، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي قرب العاصمة الاقتصادية. هذا التحول جعلها من بين الجماعات الأكثر مداخيل، حيث استقطبت مناطقها الصناعية استثمارات متنوعة، وجذبت يدًا عاملة مزدوجة التركيبة: كفاءات عالية من جهة، وعمال غير مؤهلين من جهة أخرى.هذا التوسع الصناعي السريع لم يُواكَب بتخطيط عمراني متوازن. فظهرت دواوير عشوائية، تجاوز عددها العشرين، استقرت فيها الفئات الهشة بحثًا عن القرب من فرص العمل. هذه التجمعات نمت بين الغابة جنوبًا، والضيعات الفلاحية الكبرى شمالًا، في مشهد يعكس تناقضًا صارخًا بين الثروة الصناعية والهشاشة الاجتماعية.ومع دخول كبار المنعشين العقاريين على الخط، بدأت مرحلة جديدة من التحول. فقد شهدت ضواحي الغابة هجومًا عمرانيًا لإقامة مشاريع سكنية راقية، أبرزها ما يُعرف بـ”المدينة الخضراء”، التي تحولت إلى فضاء للنخبة، يضم حدائق واسعة وملاعب للغولف، ويُسوَّق كبيئة معيشية مغلقة تتميز – بشكل غير معلن – بغياب الاختلاط مع الطبقات المتوسطة وما دونها، في سابقة داخل النسيج الحضري للدار البيضاء.في السياق نفسه، ومع ما يُعرف بـ”العهد الجديد”، تغيرت نظرة الدولة إلى الأحياء العشوائية. فبعد سنوات من التغاضي، أصبحت هذه التجمعات تُعتبر عبئًا على صورة البلاد، خاصة في ظل سعي المغرب لتقديم نفسه كوجهة استثمارية عالمية. وهكذا، أُطلقت حملات لإزالة السكن غير اللائق، مرفوقة بمشاريع لإعادة تهيئة البنية التحتية: طرق واسعة، محطات قطار، وربط أفضل بمحيط المدينة.غير أن هذه الدينامية تطرح تساؤلات عميقة حول خلفياتها. فهل الهدف فقط تحسين ظروف العيش، أم أن الأمر يرتبط برؤية أوسع لإعادة توزيع الأنشطة الاقتصادية؟ هناك مؤشرات على توجه نحو إخراج الشركات من وسط الدار البيضاء، على غرار كبريات المدن العالمية، لفسح المجال أمام مشاريع ضخمة تشمل أبراجًا وناطحات سحاب، وتحويل المدينة إلى قطب مالي إفريقي.وسط هذه التحولات، يبرز سؤال العدالة الاجتماعية بقوة. فالطبقة العاملة، التي كانت عماد هذا التحول الصناعي، تجد نفسها اليوم في موقع هش. كثير من العمال الذين استقروا في بوسكورة أو في أطراف المدينة، أصبحوا ضحايا لعمليات الهدم والترحيل، دون بدائل واضحة أو إدماج حقيقي في المشاريع الجديدة. لقد تُركوا، في كثير من الحالات، بين مطرقة السياسات العمومية وسندان المنعشين العقاريين.قصة بوسكورة اليوم ليست فقط قصة تحول عمراني أو اقتصادي، بل هي مرآة لتحديات أعمق: كيف يمكن تحقيق التنمية دون إقصاء؟ ومن يملك الحق في المدينة عندما تصبح الأرض سلعة، والعيش الكريم امتيازًا؟
بوسكورة: من أرض فلاحية إلى واجهة استثمارية… من يدفع الثمن؟


Comments
0