نظم مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية صبيحة يوم الجمعة 17 ابريل مؤتمره الثاني عشر حول موضوع”القوة والاقتصاد والقيم،في عالم يتغير:تحولات النظام الدولي وإعادة تشكل المراكز العالمية.
فمنذ نهاية الحرب الباردة اعتدنا على نظام عالمي أحادي القطب، تهيمن فيه قوة واحدة على قواعد اللعبة السياسية والاقتصادية والقيمية. لكن العقدين الأخيرين شهدا زلازل متتالية: أزمة 2008 المالية، صعود الصين، حرب أوكرانيا، وتنامي تكتلات الجنوب. نحن اليوم أمام نظام عالمي لا ينهار، لكنه يتحول. السؤال لم يعد “هل تتغير موازين القوى؟” بل “كيف تتشكل المراكز الجديدة، وبأي قواعد؟

ان الهيمنة الأمريكية لم تسقط، لكنها لم تعد مطلقة. ثلاثة مؤشرات تكشف هذا التراجع النسبي:
1. *القوة العسكرية*: واشنطن لا تزال تملك أقوى جيش، لكنها عاجزة عن فرض إرادتها المنفردة كما حدث في العراق 2003. الانسحاب من أفغانستان، والتردد في التورط المباشر بأوكرانيا، يظهران حدود القوة الصلبة.
2. *الاقتصاد*: الدولار لا يزال عملة الاحتياط العالمية، لكن حصته تتراجع ببطء. مبادرات مثل البريكس، وأنظمة الدفع البديلة التي تطورها الصين وروسيا، ومقايضة النفط باليوان، كلها شروخ صغيرة في جدار الهيمنة النقدية.

3. *القيم*: السردية الليبرالية الغربية عن “نهاية التاريخ” فقدت بريقها. الديمقراطية لم تعد النموذج الوحيد للنجاح، بعد أن قدمت الصين نموذج “الاستبداد الفعال” تنموياً، وقدمت دول الخليج نموذج “الرخاء دون حريات سياسية”.
وبالتالي فالتراجع هنا لا يعني الانهيار، بل يعني أن القوة المهيمنة صارت تتفاوض بدل أن تملي، وتتحالف بدل أن تأمر.
ان العالم لا يذهب نحو فراغ، بل نحو تعددية قطبية معقدة. اذن اذن يمكن القول ان هناك ثلاثة مراكز صاعدة تعيد رسم الخريطة:
1. *المركز الصيني*: قوة اقتصادية وتكنولوجية صاعدة، تبني نفوذها بالبنية التحتية والقروض والتجارة عبر “الحزام والطريق”. الصين لا تصدر نموذجاً أيديولوجياً، بل تصدر بديلاً عملياً: التنمية أولاً، السيادة ثانياً، القيم الغربية لاحقاً أو لا.
2. *مراكز إقليمية طموحة*: الهند، تركيا، السعودية، البرازيل، جنوب إفريقيا. هذه القوى لم تعد تابعاً لأحد. تناور بين المعسكرات، تعقد صفقات سلاح مع روسيا ونفط مع أمريكا وتكنولوجيا مع الصين. منطقها “المصلحة أولاً” لا “المحور أولاً”.
3. *التكتلات العابرة للقارات*: مجموعة البريكس توسعت، منظمة شنغهاي تتقوى، والاتحاد الإفريقي يبحث عن صوت موحد. هذه التكتلات لا تريد هدم النظام القديم بقدر ما تريد مقعداً على طاولة صياغة النظام الجديد.اما فيما يخص مثلث الصراع الجديد اي القوة، الاقتصاد، القيم،
فالتحولات لا تجري في فراغ، بل عبر صراع ثلاثي الأبعاد:
1. *القوة*: عاد مفهوم “مناطق النفوذ”. روسيا في محيطها، الصين في بحرها الجنوبي، أمريكا عبر قواعدها. الحرب في أوكرانيا والتوتر حول تايوان ليسا حدثين معزولين، بل اختبار لخطوط النفوذ الجديدة.
2. *الاقتصاد*: المعركة انتقلت من النفط إلى أشباه الموصلات، ومن المضائق البحرية إلى الكابلات البحرية والبيانات. من يسيطر على سلاسل التوريد والتكنولوجيا يسيطر على قواعد القرن. العقوبات الأمريكية على هواوي، ورد الصين بقيود على المعادن النادرة، وجهان لمعركة واحدة.
3. *القيم*: الصراع الأشرس والأهدأ. هل حقوق الإنسان عالمية أم مسألة سيادة؟ هل الديمقراطية شرط للشرعية أم أن الفعالية تكفي؟ الغرب يروّج لقيمه كمعيار كوني، والشرق الصاعد يرد بمفهوم “التعددية الحضارية” و”عدم التدخل”. المعركة هنا على تعريف “الطبيعي” و”المقبول”.
*رابعاً: أين نحن العرب من هذا التحول؟*
العالم العربي يقف أمام مفترق طرق. تراجع الهيمنة الأمريكية يمنحه هامش مناورة أكبر، لكنه يكشف هشاشته أيضاً. دول الخليج تستغل اللحظة: تنوع شراكاتها بين واشنطن وبكين وموسكو، وتستثمر الفوائض في صناعة نفوذ. دول أخرى غارقة في أزماتها الداخلية فتتحول إلى ساحة للتنافس بدل أن تكون لاعبا.
ختاما نحن لا نشهد نهاية الهيمنة الغربية، بل نهاية احتكارها للمشهد. العالم الجديد لن يحكمه قطب واحد، ولن تعود ثنائية الحرب الباردة. هو عالم شبكي، سائل، تحكمه التحالفات المؤقتة والمصالح المتقاطعة.
القوة وحدها لم تعد تكفي، والاقتصاد وحده لا يصنع نفوذاً، والقيم لم تعد عالمية بالإجماع. من يريد مكاناً في المراكز الجديدة عليه أن يملك الثلاثة معاً: قوة تحميه، اقتصاد يغذيه، وسردية تقنع الآخرين به.
النظام العالمي لا يتغير بين ليلة وضحاها، لكن موازينه تتغير كل يوم. ومن لا يقرأ التحولات، سيدفع فاتورتها.فالمؤتمر الثاني عشر هو محطة مهمة ابرزت مدى اهتمام مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بالقضايا الراهنة التي تشكل النظام العالمي.


Comments
0