بين بريق الإنجازات وفاجعة الهروب: في معابر سبتة ومليلية المحتلتين يسقط القناع | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أعمدة الرآي

بين بريق الإنجازات وفاجعة الهروب: في معابر سبتة ومليلية المحتلتين يسقط القناع

images (1) (9)

لم يعد الصمت ممكناً، ولم يعد التجميل مجدياً.

إن المشاهد القادمة من تخوم ثغري سبتة ومليلية المحتلتين، حيث يلقي آلاف الشباب واليافعين، بل وحتى الأطفال والنساء والرضع في اغوش أمهاتهم، بأنفسهم في البحر أو يواجهون السياجات الحديدية، ليست مجرد حدث عابر في نشرات الأخبار، إنه استفتاء شعبي حقيقي بالنعل والجسد على السياسات التنموية للمملكة المغربية، وإعلان صريح عن إفلاس الخطاب السياسي الرسمي.

المفارقة الصادمة مغرب الأرقام ضد مغرب الواقع ،حيث تعيش النخب السياسية المغربية في برج عاجي مسيج بالأرقام الضخمة والإنجازات البنيوية، يتحدثون عن الموانئ العالمية، والقطارات فائقة السرعة، ومصانع السيارات والطائرات.

نعم، هي إنجازات لا ينكرها جاحد، ولكنها تطرح السؤال الحارق: لماذا يهرب المواطن من بلاد الإنجازات؟

الجواب يكمن في أن هذه الثمار لم تصل إلى موائد الطيف الأوسع من الشعب.

هناك تصدير وتسويق لصورة خارجية براقة للمغرب كقوة صاعدة، بينما الواقع الداخلي يعيش تحت وطأة غلاء معيشي غير مسبوق، وإقصاء ممنهج، وتفقير يطحن الطبقة المتوسطة والهشة.

البرامج الحكومية باتت تفصل على مقاس المصالح الخاصة وضمان استمرارية نفوذ نخب ريعية، لا تخدم الصالح العام إلا لغرض الاستهلاك الانتخابي.

هجرة الأدمغة والسقوط التاريخي: من استقطاب الإسبان إلى الهروب من الوطن

بينما يحكى في التاريخ القريب كما في دواوير أولاد سعيد بإقليم سطات وباقي ربوع الوطن أن المغرب في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان أرضاً لفرص الشغل، حيث قطع إسبان البحر هرباً من فقر بلدهم ليعملوا في الفلاحة والرعي لدى المغاربة؛ ينعكس المشهد اليوم بشكل دراماتيكي وصولاً إلى مغادرة العائلات بكاملها رفقة رضعها.

المغرب اليوم يتوفر على كل مقومات الدولة العظمى:

موقع استراتيجي، ثروات، والأهم من ذلك ثروة بشرية من شباب واعٍ، مثقف، ومهندسين وأطباء كونتهم الدولة من ميزانيتها وعرق دافعي الضرائب.

لكن المفارقة المبكية أن هذه الطاقات تجد نفسها مجبرة على الهجرة، ليس لأنها تكره الوطن، بل لأن النخب الحاكمة لا تقيم وزنا للعلم والمعرفة، ولا تمنحهم الاحترام والتقدير والمناخ الديمقراطي لإثبات الذات.

الغرب يستقبل أدمغتنا بالترحاب ليطور بها بلاده، ونحن نطردها بالتهميش والإقصاء والمحسوبية.

لا يمكننا تشخيص الداء دون امتلاك الشجاعة لجلد الذات أيضا فالنخب الفاشلة لم تنزل من السماء، بل صعدت عبر صناديق اقتراع تباع فيها الأصوات أيام الانتخابات.

إنها حلقة مفرغة النخب تفقر الشعب، والشعب تحت وطأة الحاجة يبيع صوته ببضع دراهم، ليعود نفس الفاشلين إلى الكراسي ويهدم الشباب مستقبلهم بأيديهم.

ولكن، هل نلوم جائعاً يبحث عن قوت يومه؟

المسؤولية الأولى تقع على المنظومة التي جعلت من الفقر أداة للتحكم السياسي، ولم تضع سياسة ردع حقيقية تقطع دابر المال الفاسد في المحطات الانتخابية.

لقد نص دستور 2011 صراحة على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، لكنه بعد سنوات طوال استحال إلى مجرد حبر على ورق وشعار يرفع في الخطب.

المحاسبة في المغرب ظلت صورية وانتقائية، لا تطال الحيتان الكبيرة التي تلتهم الميزانيات وتفشل في تنزيل البرامج التنموية دون حسيب أو رقيب.

لو فتحت الحدود اليوم نحو أوروبا، لرحل جل المغاربة بجميع أطيافهم وأعمارهم من الشيوخ إلى الرضع، ليس رغبة في العيش في بلاد الغربة، بل هرباً من الغربة داخل الوطن.

إن غياب العدل الاجتماعي، وضياع قيمة المواطن في أعين المسؤولين، هو المحرك الأساسي لقوارب الموت ورحلات المجهول.

إن المشهد في معابر سبتة ومليلية المحتلتين هو صك إدانة بوجه كل سياسي يتبجح بالإنجازات.

لقد حان الوقت لتخرج هذه النخب عن صمتها وتملك شجاعة الاعتراف بالقول: لقد فشلنا لأننا لم نستحضر قيمة الإنسان في هذا الوطن.

إنقاذ المغرب لا يكون بالخطابات الرنانة ولا بالمقاربات الأمنية على الحدود، بل بتفعيل حقيقي للدستور، ومحاربة الفساد والريع، وإعادة الاعتبار للمدرسة والجامعة والكرامة الإنسانية، حتى لا يظل البحر هو الأمل الوحيد لشبابنا وأطفالنا، وحتى يعود المغرب وطناً يتسع لأبنائه، لا طارداً لهم.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث