بين مطرقة التكاليف وسندان المعاناة: رحلة استشفاء تكشف الفارق بين الطب كمهنة والطب كإنسانية - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

بين مطرقة التكاليف وسندان المعاناة: رحلة استشفاء تكشف الفارق بين الطب كمهنة والطب كإنسانية

IMG-20261007-WA0086

في رحلة حياة لا تخلو من المحطات القاسية، غالباً ما يجد الإنسان نفسه في مواجهة مباشرة مع المرض، لكن المعاناة الحقيقية لا تقتصر دائماً على الألم الجسدي، بل تتجاوزه إلى قسوة الأنظمة الصحية التي قد تزيد من نزيف المريض مادياً ونفسياً.

قصتي مع المرض ليست وليدة اليوم، بل هي رفيقة درب منذ أن كان عمري أربعين يوماً، حيث أُصبت بمرض مزمن ونادر في المفاصل، تقاسمته مع شقيقين لي في ابتلاء رباني استدعى منا رحلة بحث طويلة ومضنية عن العلاج.

في المغرب، طرقت أبواب كبار الأطباء والمتخصصين في العظام والروماتيزم، بدءاً بالراحلين الدكتور الهاروشي والدكتور بناني، مروراً بالدكتور الكرش، وصولاً إلى الدكتور سعيد رامي.

كانت رحلة استنزاف حقيقية، عانيت خلالها الأمرين على المستوى المادي والنفسي. كانت تكاليف الأدوية باهظة جداً، وما زاد الطين بلة هو نظام التغطية الصحية الذي كان يقدم تعويضات توصف بالهزيلة والمحبطة.

ففي إحدى المرات، بلغت فاتورة الطبيب والأدوية 2045 درهماً، ليكون التعويض الصادم هو 105 دراهم فقط. ورغم الشكايات المتعددة، لم أجد أي آذان صاغية، لتستمر المعاناة في صمت.قادتني الأقدار بعد ذلك إلى فرنسا في رحلة عمل، وهناك قررت اغتنام الفرصة للبحث عن بصيص أمل.

وعبر صدفة رتبها لي الزميل الصحفي عبد الجبار الحرشي، التقيت بمدينة بايون في الجنوب الفرنسي بطبيب مغربي فرنسي يدعى الدكتور جمال.

كان اللقاء نقطة تحول، فقد وصف لي دواءً واحداً لمدة ثلاثة أشهر، بعيداً عن قوائم الأدوية الطويلة التي اعتدت عليها.

شعرت بتحسن ملحوظ، ولاحظت فرقاً شاسعاً في التكلفة والفلسفة العلاجية.لكن طبيعة عملي كمدير مؤسسة إعلامية فرضت علي السفر مجدداً إلى مدينة ليون لتغطية أحد المعارض، وكنت هذه المرة بمفردي. اضطررت لحمل حقائب ومعدات تصوير ثقيلة، مما أدى إلى انتكاسة صحية حادة ومضاعفات في الركبتين والظهر وصعوبة بالغة في التنفس.

اضطررت لتغيير وجهتي والعودة عاجلاً إلى بايون بحثاً عن إنقاذ وتخفيف لآلام لم تعد تحتمل.بناءً على توجيهات الدكتور جمال، توجهت إلى المستشفى الكبير بمدينة بايون، وهنا بدأت أكتشف عالماً آخر.

في مدخل المستشفى، غاب مشهد حراس الأمن الذين يعنفون الزوار أو يطرحون أسئلة استنطاقية، بل خلت للوهلة الأولى أنني أخطأت العنوان ودخلت مجمعاً تجارياً أو مطعماً فخماً.

كان المرضى يجلسون في المدخل وسط محلات لبيع المأكولات والقهوة في أجواء تنبض بالحياة، وهو تصميم ذكي يهدف إلى التخفيف من وطأة المرض نفسياً وإشعار الوافد بالراحة والأمان.توجهت لأخذ موعد عبر نظام رقمي سلس، وما أثار دهشتي ووقوفي احتراماً، هو رؤيتي لطبيبة كبيرة ومعروفة تعمل في نفس المستشفى، تجلس بهدوء وتأخذ رقمها لتنتظر دورها كأي مريض عادي للكشف عن وعكة ألمت بها.

كانت رسالة بليغة وصامتة تخبرني أن الجميع أمام المرض وفي محراب المستشفى سواسية، وهو وعي عميق نفتقده بشدة في مجتمعاتنا.

عندما حان دوري، استقبلتني طبيبة بابتسامة عريضة ولطف بالغ. لم تسألني عن جنسيتي، ولا عن رصيدي البنكي، ولا عن نوع تأميني الصحي.

كان همها الوحيد هو حالتي الصحية. ورغم أن المواعيد كانت ممتلئة، لجأت إلى مساعدة اجتماعية بذلت جهداً كبيراً لتوفير موعد استثنائي لحالتي الحرجة.في اليوم الموالي، تدهورت حالتي بشكل خطير واضطررت للتوجه إلى قسم المستعجلات. هناك، عشت أسمى تجليات الإنسانية والمهنية.

بمجرد أن رأتني الطبيبة في حالة إنهاك تام، أخذت جواز سفري فقط للتعريف، وتم إدخالي فوراً. طلبوا مني تغيير ملابسي وارتداء لباس المستشفى، وفي غضون لحظات، تحولت غرفتي إلى خلية نحل.

تناوب على فحصي طاقم طبي متكامل: طبيب تنفس، مختص في العظام، طبيبة قلب، مختصة في الأمراض التنفسية والإنفلونزا، طبيب جهاز هضمي، وطبيبة تحاليل.خضعت لسيل من الفحوصات الدقيقة، من تخطيط للقلب إلى تصوير مقطعي للصدر والركبتين والكليتين، وتم تزويدي بالأدوية عبر الحقن الوريدي.

طيلة ست ساعات من العناية الفائقة، لم يطالبني أحد بأي مقابل مادي، ولم يعر أحد اهتماماً لمنصبي كمدير مؤسسة إعلامية إلا من باب فهم طبيعة عملي لوضع فرضيات طبية دقيقة.

غادرت المستشفى بدواءين فقط، وفي ظرف ساعة واحدة تلاشت تلك الآلام المبرحة.لقد لخصت هذه التجربة دروساً عميقة لا تُنسى. لقد أيقنت أن فرنسا استثمرت في الإنسان أولاً. في ذلك المستشفى، لم أسمع صراخاً، ولم أر مريضاً يعاتب طاقماً طبياً.

رأيت أطباء لا يميزون بين أبيض وأسود، أو بين مواطن وأجنبي.

رأيت مرضى يتقبلون بصدر رحب تقديم الحالات المستعجلة عليهم دون أدنى اعتراض، في غياب تام لثقافة الأنانية التي تجعل البعض في مستشفياتنا يصارع للدخول أولاً ولو على حساب أرواح تحتضر.الدرس الأكبر كان في قدسية الحياة التي تتجاوز المال. لم يطلب مني أحد تسديد أي فاتورة قبل إنقاذي، في مفارقة مبكية مع واقعنا حيث قد يلفظ المريض أنفاسه الأخيرة بينما يُطالب ذووه بدفع تكاليف العلاج المسبقة.

أضف إلى ذلك تلك الابتسامة الصادقة التي لا تفارق محيا الطواقم الطبية، والتي تعتبر بحد ذاتها نصف العلاج، بعيداً عن العبوس والجفاء الذي يحول حارس الأمن عندنا إلى طبيب، ويجعل الطبيب غائباً حتى وإن حضر. هي إذن تجربة كشفت لي أن الرحمة والإنسانية ممارسة وفعل، وليست مجرد شعارات، وأننا كمسلمين، أولى بأن نتبنى هذه القيم في مستشفياتنا ومؤسساتنا.

وفي الختام، وبينما أستحضر تفاصيل هذه التجربة العميقة التي امتزج فيها ألم المعاناة براحة العثور على بلسم الشفاء، لا يسعني إلا أن أقف وقفة اعتراف وأوجه رسالة شكر وامتنان صادقة نابعة من القلب.شكرا للزميل والصديق الصحفي عبد الجبار الحرشي، الذي كان صلة الوصل ومفتاح هذا المسار العلاجي بتوجيهه لي، وشكرا جزيلا للدكتور جمال الذي كان أول من مد لي يد العون والمواساة في ديار الغربة وخفف عني وطأة الألم بحكمته وتوجيهاته الصائبة.كما أوجه تحية إجلال وتقدير لكل طاقم مستشفى بايون بفرنسا، أطباء وطبيبات وممرضين وممرضات. شكرا لكم على إنسانيتكم النبيلة، وعلى تعاملكم الراقي الذي غمرني بالدفء في لحظات الضعف، وأعاد لي الإيمان الراسخ بأن الطب قبل أن يكون مهنة وعلما، هو رسالة رحمة وعطاء وتجرد.وأخيرا، شكرا لوزارة الصحة الفرنسية ولنظام صحي يضع صحة الإنسان وكرامته فوق كل اعتبار مادي أو عرقي، نظام أثبت لي بالدليل القاطع والملموس أن الاستثمار الحقيقي والأنجع لأي أمة، هو ذلك الذي يوجه نحو البنية التحتية الصحية من أجل خدمة الإنسان، والإنسان فقط.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث