تضخيم "قنطرة أم الربيع" الخشبية: قراءة في مفارقات "التعبئة الانتقائية" وتأجيل الأولويات التنموية | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |متفرقات

تضخيم “قنطرة أم الربيع” الخشبية: قراءة في مفارقات “التعبئة الانتقائية” وتأجيل الأولويات التنموية

FB_IMG_1780252178766

شهدت منصات التواصل الاجتماعي وبعض الوسائط الإعلامية مؤخراً موجة من النقاش الحاد الذي تجاوز، في حجم تضخيمه ومعدلات نشره، حدود الواقعة نفسها. يتعلق الأمر بقيام مواطنين باستحداث ممر خشبي بدائي (قنطرة) فوق نهر أم الربيع، واستخلاص “درهمين” كتعويض رمزي عن العبور، وهي الواقعة التي تم تناولها وكأنها “الجريمة المنظمة العابرة للقارات”، مما يطرح علامات استفهام كبرى حول الخلفيات السيكولوجية والإعلامية لـ “التعبئة الانتقائية” في التعاطي مع قضايا الشأن العام.

وعليه أطرح تساؤلات عن مفارقة هذه الواقعة مع الملفات الصامتة والأضخم.

المثير للاستغراب النقدي، هو أن هذه الحملة الرقمية تفوقت في زخمها على ملفات فساد مالي وإداري كبرى تُعرض على المحاكم، وتجاوزت بصخبها قطاعات غير مهيكلة تنخر الاقتصاد الوطني وتستنزف الأرواح والميزانيات بشكل يومي.

فعلى سبيل المثال لا الحصر، يمر هذا التضخيم الإعلامي صامتاً أمام قطاع النقل غير المهيكل (النقل السري، وعربات الموت)، الذي يحصد أسبوعياً عشرات الضحايا أسبوعيا في مغرب العمق دون أن تحظى مآسيه بنفس مساحات التضامن أو الاستنكار. كما تتغاضى هذه المقاربة عن “معضلة الجدارمية الجدد” أو “حراس السيارات” العشوائيين، الذين حولوا الشوارع والأماكن العمومية في كبريات المدن المغربية قبل قراها إلى “محطات استخلاص” قسرية تبتز جيوب المواطنين نهاراً جهاراً.يضاف إلى ذلك ظاهرة احتلال الأرصفة والساحات العمومية من طرف بعض أرباب المقاهي والتجار، وهو ترامٍ موثق على الملك العام يحرم الراجلين من أبسط حقوقهم في التجوّل الآمن، ومع ذلك يظل التعاطي معه موسمياً ومحتشماً مقارنة بـ “استنفار” اللوح الخشبي في مربيع.

وهنا تظهر المقاربة القانونية الجافة وعقدة “الفراغ” ذلك أن التعامل مع مبادرة “قنطرة الدرهمين” بمنطق القانون الزجري الصرف -دون تفكيك سياقها- يعكس قصوراً في فهم الواقع. فالقانون وجد لتنظيم حياة الناس وليس لتعميق عزلتهم، وغياب البديل الرسمي (قنطرة حقيقية آمنة) هو الذي أنجب هذا “اللوح الخشبي” من رحم الحاجة والضرورة السوسيواقتصادية لربط ضفتي النهر وتسهيل مأمورية زوار المنطقة.

المدخل الحقيقي لفك المعضلات الاجتماعيةهو البدء بالإنسان والتنمية، تؤكد هذه النازلة أن مقاربة الدولة والمجتمع لحل مثل هذه الإشكالات يجب أن تقطع مع الحلول الأمنية المؤقتة، وأن تنطلق من رؤية ثلاثية الأبعاد:

الشق الصحي والبيئي: ضمان سلامة المواطنين فوق المجاري المائية وحمايتهم من أخطار الغرق أو الأوبئة المرتبطة بغياب البنيات التحتية الأساسية.

الشق التنموي: وضع حد لسياسة “المغرب النافع والمغرب غير النافع”، من خلال ربط المناطق المعزولة بالشبكات الطرقية والمنشآت الفنية (القناطر) كحق دستوري لا كامتياز.

التأهيل البشري: وهو الحجر الأساس، إذ لا يمكن إدماج المواطن في دولة الحق والقانون دون الاستثمار في وعيه وتأهيله اقتصادياً واجتماعياً، ليكون شريكاً في التنمية لا مجرد “مخالف” يطارده القانون لإرضاء نزعة “البرستيج” الرقمي.

إن قنطرة “أم الربيع” الخشبية ليست سوى مرآة عاكسة لخلل في ترتيب الأولويات، وحريٌّ بالرأي العام والجهات الوصية توجيه بوصلة المحاسبة والنقد صوب الحيتان الكبرى للفساد والعشوائية المهيكلة، بدلاً من استعراض العضلات القانونية على “ألواح خشبية” استحدثها الفقر والاضطرار

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث