مع انطلاق مرحلة جديدة من العمل الحكومي والبرلماني، تعود إلى الواجهة أسئلة التحالفات السياسية، وتضارب المصالح، ومحاربة الفساد والاحتكار، ومدى قدرة المؤسسات المنتخبة على تحويل الوعود الانتخابية إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياة المواطنين.
تتغير التحالفات السياسية بتغير موازين القوى، وقد يجد خصوم الأمس أنفسهم شركاء في تدبير الشأن العام، بعد أن تبادلوا خلال الحملات الانتخابية الانتقادات والاتهامات، وقدم كل طرف نفسه باعتباره البديل القادر على تصحيح اختلالات المرحلة السابقة. هكذا تبدو السياسة، في كثير من الأحيان، محكومة بقاعدة تختصرها العبارة المتداولة: «أعداء الأمس أصدقاء اليوم، وشركاء البارحة خصوم الغد».
غير أن التحالفات، مهما كانت حساباتها ومبرراتها، لا ينبغي أن تتحول إلى غاية في حد ذاتها، ولا أن تكون على حساب الوعود التي قدمتها الأحزاب للناخبين. فالمواطن الذي يمنح صوته بناء على برامج والتزامات محددة، ينتظر أن يرى ترجمتها في السياسات العمومية، وفي فرص الشغل، وجودة التعليم والصحة، والقدرة الشرائية، ومحاربة الفساد والريع.
ومع الانتقال من مرحلة التنافس الانتخابي إلى مرحلة ممارسة السلطة ومراقبة العمل الحكومي داخل البرلمان، يتغير جوهر النقاش السياسي. لم يعد الأمر يتعلق بمن يجيد صياغة الشعارات أو إدارة الحملات، بل بمن يستطيع تقديم حصيلة قابلة للتقييم، وتفسير القرارات المتخذة، وتحمل المسؤولية عن نتائجها. وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي للأغلبية والمعارضة على السواء.
من «غداً سيكون أفضل» إلى ضرورة تقديم الحساب
خلال المواسم الانتخابية، تتكرر الوعود بتحسين الأوضاع الاقتصادية، وتقليص البطالة، وإصلاح المدرسة العمومية، وتجويد الخدمات الصحية، ومحاربة الرشوة، وتحقيق العدالة الاجتماعية. وتُقدَّم هذه الالتزامات أحياناً بلغة توحي بأن تجاوز الصعوبات لا يحتاج إلا إلى وصول هذا الحزب أو ذاك إلى مواقع القرار.
لكن تدبير الشأن العام أكثر تعقيداً من الخطابات الانتخابية. فالبرامج الحكومية تصطدم بإكراهات الميزانية، وتقلبات الأسواق، والتحولات الدولية، وتراكم الاختلالات البنيوية. ومع ذلك، لا يمكن اتخاذ هذه الإكراهات ذريعة دائمة لتبرير تعثر الإصلاحات أو تأجيل الوفاء بالالتزامات.
فالمواطن لا يطالب الحكومة بالمستحيل، وإنما ينتظر منها تحديد الأولويات بوضوح، وتقديم معطيات دقيقة بشأن ما تحقق وما تعثر، وشرح الأسباب التي حالت دون تنفيذ بعض التعهدات. أما الاكتفاء بعبارات من قبيل «سنبذل قصارى جهدنا» أو «نعمل على تحسين الأوضاع»، دون أهداف محددة وآجال واضحة ومؤشرات قابلة للقياس، فلا يساعد على بناء الثقة في المؤسسات.
ومن هنا تبرز أهمية مبدأ المساءلة، أو ما يُعبَّر عنه بالفرنسية بـ«Rendre compte». فالمسؤولية السياسية لا تنتهي بمجرد تشكيل الحكومة أو المصادقة على برنامجها، بل تبدأ فعلياً عندما يصبح لزاماً عليها تفسير اختياراتها أمام البرلمان والرأي العام، وتقديم الحساب بشأن المال العام والنتائج المحققة.
إن الفرق بين الخطاب السياسي المسؤول والخطاب الدعائي يكمن في القدرة على الانتقال من الوعود العامة إلى التزامات واضحة: كم منصب شغل أُحدث؟ ما مدى تحسن جودة التعليم؟ هل تقلصت الفوارق المجالية؟ وما الأثر الفعلي للبرامج الحكومية على الأسر والمقاولات الصغيرة والمتوسطة؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تتصدر النقاش البرلماني، بدل أن تتحول الجلسات إلى تبادل للاتهامات أو استعراض للمواقف الحزبية. فالمعارضة مطالبة بممارسة رقابة جادة تستند إلى الأرقام والحجج، والأغلبية مطالبة بالدفاع عن اختياراتها بالحجج والنتائج، لا بمجرد التمسك بالمواقع السياسية.
المال والسياسة.. معركة الشفافية وتضارب المصالح
إذا كانت المحاسبة تمثل أحد شروط الديمقراطية الفعلية، فإن الشفافية في تدبير المال العام تشكل أحد أهم مداخل استعادة ثقة المواطنين. فالعلاقة بين عالم الأعمال والقرار السياسي تثير أسئلة مشروعة كلما تعلق الأمر بالصفقات العمومية، والامتيازات الاقتصادية، والتراخيص، والدعم العمومي، وتدبير القطاعات التي تتقاطع فيها المصالح الخاصة مع المسؤولية العامة.
ولا يعني ذلك أن الانتماء إلى عالم الأعمال يتعارض تلقائياً مع تولي المسؤولية السياسية، أو أن كل تقاطع بين المصالح الاقتصادية والقرار العمومي يشكل فساداً. لكن الإشكال يبدأ عندما تغيب الضمانات الكافية للفصل بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، أو عندما تصبح مواقع المسؤولية مدخلاً لتحقيق امتيازات غير مستحقة.
وفي هذا السياق، تكتسب المقتضيات الدستورية والقانونية المرتبطة بمحاربة الفساد وتضارب المصالح أهمية خاصة. فالفصل 36 من الدستور المغربي يندرج ضمن الإطار الدستوري لمحاربة الانحرافات المرتبطة بالمال والسلطة، والتصدي لحالات تضارب المصالح واستغلال النفوذ والممارسات المخالفة للمنافسة المشروعة، وفقاً للمقتضيات القانونية ذات الصلة.
غير أن النصوص وحدها لا تكفي. فنجاعة محاربة الفساد تتوقف أيضاً على تفعيل آليات الرقابة، وضمان استقلالية المؤسسات المعنية، وتعزيز الحق في الوصول إلى المعلومات، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتطبيق القانون على الجميع دون انتقائية.
كما أن التصريح بالممتلكات، حيث يكون واجباً قانوناً، ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد إجراء شكلي، بل باعتباره إحدى الآليات التي تساعد على مراقبة تطور الذمة المالية للمسؤولين في إطار الضمانات والمساطر القانونية المعمول بها. والهدف ليس التشهير بالأشخاص أو إطلاق الأحكام المسبقة، وإنما توفير شروط النزاهة ومنع استغلال المسؤولية لتحقيق منافع غير مشروعة.
فالثقة في المؤسسات لا تُستعاد بالخطب وحدها، وإنما بإقناع المواطن بأن القانون يسري على الجميع، وأن المال العام يخضع للمراقبة، وأن المسؤولية العمومية ليست امتيازاً شخصياً، بل تكليف يفرض واجبات محددة.
الصفقات العمومية والاحتكار.. حين تصبح المنافسة قضية اجتماعية
لا يمكن فصل النقاش حول الشفافية عن الطريقة التي تُدار بها الدورة الاقتصادية، خصوصاً في ما يتعلق بالصفقات العمومية وتنظيم الأسواق ومحاربة الممارسات الاحتكارية. فهذه المجالات لا تؤثر فقط في أرقام الميزانية أو مؤشرات النمو، بل تنعكس بصورة مباشرة على فرص الاستثمار، وأسعار السلع والخدمات، وإمكانات المقاولات الصغرى والمتوسطة في الصمود والتوسع.
فالصفقة العمومية، في الأصل، وسيلة لتلبية حاجات المرافق العامة وتحقيق المصلحة العامة بأفضل شروط الجودة والكلفة والنجاعة. لكن تحقيق هذه الغاية يظل رهيناً بضمان تكافؤ الفرص بين المتنافسين، ووضوح معايير الاختيار، وفعالية المراقبة، والتصدي لأي تواطؤ أو توجيه غير مشروع للمنافسة.
وعندما تضيق دائرة المستفيدين من الطلب العمومي، أو تجد المقاولات الصغيرة نفسها عاجزة عن الولوج إلى الصفقات بسبب شروط غير متناسبة مع قدراتها، فإن ذلك يطرح سؤالاً حول مدى قدرة السياسات الاقتصادية على توزيع فرص التنمية بصورة عادلة.
لذلك، فإن دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة لا ينبغي أن يقتصر على الشعارات أو الإعلانات عن برامج المواكبة، بل يتطلب إجراءات عملية لتسهيل الولوج إلى التمويل والطلبيات العمومية، وتقليص آجال الأداء، وتبسيط المساطر، وتعزيز الشفافية في إسناد العقود. كما ينبغي تقييم أي هدف كمي يُعلن بشأن تخصيص نسبة من الصفقات لهذه المقاولات، في ضوء النصوص الجاري بها العمل والنتائج الفعلية المسجلة.
وفي السياق نفسه، لا يمكن محاربة الغلاء بصورة مستدامة دون معالجة الأسباب التي تؤدي إلى ارتفاع الأسعار، بما في ذلك اختلالات سلاسل التوزيع، وتعدد الوسطاء، وضعف المنافسة في بعض الأسواق، وأي ممارسات احتكارية تثبتها الجهات المختصة.
فليس كل وسيط تجاري عنصراً سلبياً في الاقتصاد، إذ يؤدي التوزيع دوراً ضرورياً في إيصال المنتجات إلى المستهلك. لكن الوساطة تتحول إلى عبء عندما تنفصل هوامش الربح عن الخدمات المقدمة، أو عندما تستغل اختلالات السوق لفرض شروط غير عادلة على المنتجين أو المستهلكين.
ومن ثم، فإن المطلوب ليس إطلاق أحكام عامة على الفاعلين الاقتصاديين، وإنما بناء رقابة فعالة تميز بين المنافسة المشروعة والممارسات المخالفة للقانون، وتحمي المستهلك من جهة، وتضمن للمقاولات الجادة بيئة تنافسية سليمة من جهة أخرى.
فخلق الثروة يظل هدفاً اقتصادياً أساسياً، لكنه يفقد جزءاً كبيراً من معناه الاجتماعي عندما لا تنعكس ثماره على فرص الشغل، وتحسين الدخل، وتطوير الخدمات الأساسية، وتقليص الفوارق. والنمو الذي لا يشعر المواطن بأثره في حياته اليومية يظل نمواً ناقصاً من زاوية التنمية الشاملة.
البرلمان بين المرافعة الحزبية والرقابة الفعلية
يمثل البرلمان إحدى المؤسسات الأساسية التي يُفترض أن تتحول داخلها الخلافات السياسية إلى نقاش مؤسساتي حول السياسات العمومية ونتائجها. غير أن فعالية هذه المؤسسة لا تُقاس فقط بعدد الجلسات أو الأسئلة الشفوية أو حدة المداخلات، بل بمدى قدرتها على مراقبة العمل الحكومي، وتقييم البرامج، واقتراح التشريعات الملائمة، ومتابعة تنفيذ الالتزامات.
فالأغلبية البرلمانية مطالبة بألا تختزل دورها في الدفاع المطلق عن الحكومة، لأن الانتماء السياسي لا يعفي من واجب تقييم القرارات وتصحيح الاختلالات. كما أن المعارضة مطالبة بألا تجعل من كل تعثر فرصة للمزايدة، بل أن تقدم بدائل واقعية، مدعومة بالأرقام والمعطيات، وقابلة للنقاش والتنفيذ.
أما المواطن، الذي يتابع هذا السجال من خارج المؤسسات، فلا تعنيه بالضرورة تفاصيل المناورات الحزبية بقدر ما تعنيه النتائج. فهو يريد معرفة ما إذا كانت الوعود المتعلقة بالشغل والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية تسير في الاتجاه الصحيح، وما إذا كانت الميزانيات المرصودة تحقق الأهداف التي خُصصت لها.
وتزداد أهمية هذه الرقابة عندما يتعلق الأمر بالبرامج التي تستهلك اعتمادات مالية مهمة أو تتطلب سنوات من التنفيذ. ففي مثل هذه الحالات، يصبح نشر الحصيلة المرحلية، وتحديد المسؤوليات، وتفسير الفجوة بين الأهداف والنتائج، أمراً ضرورياً لتفادي تحول البرامج الحكومية إلى التزامات معلنة يصعب قياس أثرها الحقيقي.
إن البرلمان الفعال ليس الذي يرفع صوته أكثر، بل الذي يمتلك القدرة على مساءلة الحكومة بأسئلة دقيقة، ويفرض تقديم الأجوبة بالأرقام، ويتابع مآل التوصيات، ويحرص على ألا تبقى الرقابة مجرد إجراء بروتوكولي ينتهي بانتهاء الجلسة.
الثقة السياسية لا تُمنح إلى الأبد
تُظهر التجارب السياسية أن الثقة التي تمنحها الانتخابات ليست تفويضاً مفتوحاً، بل مسؤولية متجددة ترتبط بمدى احترام الالتزامات وتحقيق النتائج. فالناخب قد يقبل بوجود صعوبات اقتصادية أو بإرجاء بعض الإصلاحات إذا قُدمت له تفسيرات مقنعة، وشعر بأن الأعباء موزعة بصورة منصفة، وأن المسؤولين لا يعفون أنفسهم من المحاسبة.
لكن الثقة تتآكل عندما تتكرر الوعود دون أثر ملموس، أو عندما يشعر المواطن بأن لغة الخطاب السياسي منفصلة عن واقعه اليومي، أو عندما تتسع الفجوة بين ما يُعلن من أهداف وما يتحقق على الأرض.
ومن هنا، فإن استعادة الثقة لا تتطلب مزيداً من البلاغة السياسية بقدر ما تتطلب وضوحاً في تحديد الأولويات، وشفافية في عرض المعطيات، وجرأة في الاعتراف بالتعثر، واستعداداً لتصحيح المسار. فالمسؤول الذي يقدم حصيلة دقيقة، ويشرح حدود إمكاناته، ويحدد ما سيتخذه من إجراءات، يكون أكثر قدرة على إقناع الرأي العام من مسؤول يكتفي بتكرار الوعود نفسها.
كما أن محاربة الفساد لا ينبغي أن تتحول إلى شعار موسمي يُستحضر عند الحاجة إلى كسب التعاطف الشعبي، بل إلى سياسة مستمرة تشمل الوقاية والمراقبة والتصدي للمخالفات، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.
والأمر ذاته ينطبق على محاربة الاحتكار والريع: فالمطلوب ليس البحث عن خصوم لتقديمهم للرأي العام باعتبارهم سبب كل الاختلالات، وإنما إصلاح القواعد التي تسمح باستمرار الممارسات غير العادلة، وتطوير المؤسسات القادرة على فرض احترام القانون.
الخلاصة: السياسة مسؤولية قبل أن تكون حسابات انتخابية
مع الانتقال إلى مرحلة جديدة من العمل الحكومي والبرلماني، يبقى التحدي الأساسي هو الانتقال من منطق الوعود إلى منطق النتائج، ومن التنافس حول الشعارات إلى التنافس حول جودة السياسات العمومية. فالتحالفات، مهما تغيرت أطرافها، لا تكتسب مشروعيتها الحقيقية إلا بقدر ما تخدم المصلحة العامة وتحترم تعهدات الأحزاب أمام المواطنين.
إن عبارة «أعداء الأمس أصدقاء اليوم» قد تصف جانباً من طبيعة السياسة القائمة على التفاوض وتدبير الاختلاف، لكنها لا ينبغي أن تصبح مبرراً لتناسي الوعود أو تجاوز المسؤولية. فالتحالف السياسي قد يتغير، أما الالتزامات تجاه المواطنين فتبقى قائمة، وتظل قابلة للتقييم والمساءلة.
ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي للأغلبية والمعارضة ليس في قدرتهما على تبادل الاتهامات، ولا في حجم ما تقدمانه من خطابات، بل في مدى مساهمتهما في بناء مؤسسات أكثر شفافية، واقتصاد أكثر تنافسية، وخدمات عمومية أكثر جودة، وفرص أكثر عدلاً أمام المواطنين.
فالوقت لا ينتظر أحداً، والرهان لا يتعلق بالدورة البرلمانية وحدها، بل بمستقبل الثقة في العمل السياسي برمته. وفي نهاية المطاف، لا تحسم الشعارات وحدها الحكم على التجارب الحكومية، وإنما تحسمه النتائج، ومدى الإنصاف في توزيع ثمار التنمية، والقدرة على تصحيح الأخطاء وتحمل المسؤولية.
وكما يقول المثل المغربي: «دير الخير تلقاه، ودير الشر تلقاه». أما في السياسة، فالمعادلة الأوضح هي أن من يتولى تدبير الشأن العام مطالب بأن يقدم الحساب، وأن يجعل خدمة المواطن معياراً لنجاحه، لا مجرد وسيلة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها.


Comments
0