مهرجان MOGA تحت المجهر
الفن لا يمنح حصانة لتجاوز الذوق العام، وهوية الصويرة ليست تفصيلاً هامشياً هل أصبح كل ما يُقدَّم تحت عنوان «الفن» محصناً من النقد؟ وهل تحولت بعض مظاهر الانفتاح الثقافي إلى مبرر لتجاوز ما يعتبره جزء من المجتمع المغربي حدود الذوق العام والقيم المجتمعية؟ أسئلة ثقيلة بدأت تفرض نفسها في الصويرة، على خلفية صور ومقاطع متداولة مرتبطة بالدورة الحالية من مهرجان MOGA، أظهرت وفق منتقدين مظاهر وأزياء وعروضاً اعتبروها بعيدة عن الخصوصية الاجتماعية والثقافية للمدينة.
المسألة هنا ليست معركة ضد الموسيقى الإلكترونية، ولا دعوة إلى إغلاق أبواب الصويرة أمام الفن العالمي، وإنما سؤال أكثر إزعاجاً:
هل الانفتاح يعني بالضرورة التخلي عن الحدود؟الصويرة مدينة عرفت دائماً بالتعايش والانفتاح والتنوع الثقافي، لكن ذلك لا يعني، بالنسبة إلى فعاليات مدنية منتقدة، أن تتحول خصوصيتها إلى مجرد ديكور لمهرجانات تستورد أنماطاً ومظاهر لا تنسجم بالضرورة مع ما يعتبره المجتمع المحلي مقبولاً.
الفن حر.. لكن المجتمع أيضاً له حقه في الاعتراض لا أحد يجادل في أهمية حرية الإبداع والتعبير، لكن الحرية لا تعني غياب النقاش، كما أن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى استفزاز متعمد لمشاعر المجتمع.
ومن هنا فإن بعض الفعاليات المدنية تطرح سؤالاً مباشراً على الجهات المنظمة والجهات الداعمة:هل كل ما يمكن تقديمه فنياً ينبغي بالضرورة تقديمه في فضاء عمومي، وبالشكل نفسه، ودون مراعاة خصوصية المدينة والجمهور؟ إنها أسئلة مشروعة خصوصاً عندما تنتقل المشاهد من فضاء فني خاص إلى فضاء عمومي يحمل رمزية ثقافية ومجتمعية.
من يدفع ثمن الانفتاح؟الأكثر حساسية في هذا النقاش هو الحديث عن ارتباط التظاهرات الثقافية بفضاءات ومؤسسات وشراكات عمومية. وهنا لا يتعلق الأمر بإطلاق اتهامات، وإنما بحق المواطن في معرفة طبيعة الدعم العمومي، وشروطه وأهدافه وكيفية تقييم أثره الثقافي والاجتماعي.
فالمال العام ليس تفصيلاً صغيراً في أي نقاش ثقافي، والفضاء العمومي ليس ملكاً لفئة واحدة من المجتمع. وإذا كانت المؤسسات العمومية أو الشركاء العموميون يساهمون في دعم الثقافة والفنون، فمن حق المجتمع أن يسأل: أي ثقافة نريد أن ندعم؟ وأي صورة نريد أن نقدمها عن مدننا؟ الصويرة ليست بلا هويةقد يكون من السهل تسويق بعض المظاهر تحت عناوين الحداثة والانفتاح والتحرر، لكن الأصعب هو تحقيق التوازن بين الحداثة والهوية.
الصويرة لا تحتاج إلى أن تتخلى عن روحها حتى تثبت أنها مدينة منفتحة، بل ربما تكمن قوة الصويرة الحقيقية في قدرتها على استقبال الثقافات والفنون المختلفة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على شخصيتها المغربية وخصوصيتها التاريخية والاجتماعية.
فالانفتاح الذي يمحو الهوية ليس انفتاحاً بالضرورة، والحداثة التي تستفز المجتمع دون حوار قد تتحول من جسر للتواصل إلى جدار من سوء الفهم.المطلوب ليس المنع.. بل المسؤوليةالنقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينتهي بالمطالبة بمنع مهرجان أو مصادرة فن أو محاكمة ذوق فني.
المطلوب هو مسؤولية المنظمين في اختيار المضامين والمظاهر المناسبة لطبيعة الفضاء والجمهور، ومسؤولية المؤسسات في توضيح أوجه الدعم والشراكات، ومسؤولية الفنانين في إدراك أن الحرية الفنية لا تلغي حق الآخرين في الاعتراض والنقد.وفي المقابل، تبقى مسؤولية المنتقدين أيضاً في عدم التعميم أو تحويل صور متداولة إلى أحكام نهائية على مهرجان أو مدينة أو فئة من المشاركين.
فالمجتمع المغربي ليس ضد الفن، لكنه ليس بلا صوت أيضاً، والصويرة التي فتحت أبوابها للعالم، من حقها أن تقول للعالم في الوقت نفسه: نحن منفتحون، نعم.. لكن لنا هوية، ولنا قيم، ولنا حدود نريد أن تُحترم.
وفي نهاية المطاف يبقى السؤال الأكبر معلقاً:هل نريد مهرجانات تجعل الصويرة أكثر إشعاعاً، أم مهرجانات تجعلها مضطرة للدفاع عن هويتها؟ذلك هو النقاش الذي يستحق أن يُفتح، بعيداً عن التخوين والمنع، وبعيداً أيضاً عن اعتبار كل اعتراض على بعض مظاهر الفن «عداءً للحداثة».


Comments
0