في أفق رغبة وزارة الداخلية في تخليق المشهد السياسي بالمغرب، تعيش جماعة دار بوعزة وضعًا شاذًا يختزل أزمة التسيير المحلي وازدواجية الخطاب السياسي، بعدما سُجّل غياب أحد أعضاء المجلس الجماعي عن عدد مهم من دورات المجلس، في مشهد يرقى إلى حد الاستخفاف بالقانون وبإرادة الناخبين، مقابل ظهور موسمي لا يحدث إلا خلال الاستحقاقات الانتخابية أو لحظة الترشح لرئاسة الجماعة.
هذا السلوك لا يمكن اعتباره مجرد “تغيب عارض”، بل هو غياب ممنهج ومستمر، موثق بمحاضر رسمية، ويشكّل خرقًا واضحًا لمقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14، الذي ينص صراحة على أن كل عضو تغيّب عن ثلاث دورات متتالية أو خمس دورات متقطعة دون مبرر مقبول، يُعدّ مُقالًا بحكم القانون، دون حاجة إلى أي تأويل أو اجتهاد سياسي.
ورغم وضوح النص القانوني، فإن ما يقع داخل جماعة دار بوعزة يطرح سؤالًا جوهريًا: من يغض الطرف عن هذه الغيابات داخل دورات المجلس؟ ولماذا لم تُفعّل السلطات المحلية أو الإقليمية مسطرة العزل، كما هو الشأن بعدد من الجماعات الترابية التابعة للإقليم؟
فالقانون لا يطلب توافقًا سياسيًا ولا حسابات حزبية، بل يُلزم المجلس والسلطة الوصية بتفعيل المسطرة فور تحقق شروطها. غير أن الواقع يكشف عن تجاهل هذا الأمر لدوافع غير واضحة، إما بسبب صمت غير مبرر، أو عجز عن المواجهة، أو ربما انتقائية في تطبيق القانون.
واللافت أن فعاليات المجتمع المدني أضحت تتساءل باستغراب عن هذه الوضعية الشاذة، خصوصًا ونحن مقبلون على مرحلة جديدة من الاستعداد لانتخاب رئيس جماعة جديد، مرحلة تتطلب أشخاصًا يضحّون بوقتهم لتدبير الشأن المحلي، لا مجرد السعي إلى كراسي المسؤولية.
ويأتي ذلك في سياق تعيش فيه دار بوعزة على وقع ارتدادات استقالة الرئيسة لأسباب متعددة، حسب مصادر مطلعة، ما أدخل الجماعة في حالة تشتت خطير وصراعات داخلية مجانية بين الأعضاء، خلّفتها عملية عزل الرئيس الأسبق من الولاية الحالية، لتدخل الجماعة مرحلة غير مسبوقة عنوانها البحث عن “رئيس ثالث” في نفس الولاية، في مشهد يجسد فشلًا جماعيًا في تحقيق الاستقرار والتدبير، ويؤكد أن الأزمة أعمق من مجرد أشخاص.
ومع فتح باب الترشح من جديد لرئاسة الجماعة، طفا إلى السطح سباق انتخابي يطرح أكثر من علامة استفهام، أبرزها: كيف يترشح لمنصب رئاسة جماعة شخص لم يشارك في تدبير وتسيير الشأن المحلي، رغم أن الهيئة السياسية التي ينتمي إليها تدخل، أولًا، ضمن التحالف الحزبي المفترض فيه الالتزام والانضباط، كما هو الشأن بجماعتي بوسكورة وأولاد عزوز، وثانيًا، أن هذه الهيئة نفسها ممثلة داخل تشكيلة المكتب المسير بعدد من النواب؟
وكيف يمكن لمن غاب عن دورات المجلس أن يقنع الساكنة بقدرته على قيادة جماعة تعيش ضغطًا عمرانيًا خانقًا واختلالات بنيوية خطيرة؟
إن استمرار هذا الوضع لا يسيء فقط إلى صورة المجلس الجماعي، بل يضرب في العمق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ويحوّل التمثيل الانتخابي إلى امتياز سياسي بلا التزام.
اليوم، لم يعد السؤال: هل ينص القانون على العزل؟
لأن النص واضح ولا يقبل التأويل،
بل السؤال الحقيقي هو: هل تملك الجهات المعنية الجرأة لتطبيقه؟ أم أن دار بوعزة ستظل عنوانًا للفوضى القانونية والتدبير بالانتقائية؟
وفي سياق متصل، أفادت مصادر جد مطلعة أن هذا العضو بدأ بالفعل “تسخينات انتخابية” استعدادًا للاستحقاقات التشريعية المقبلة، بعد تلقيه وعودًا من مسؤول جماعي وحزبي بالفوز بأحد المقاعد الثلاثة المخصصة للإقليم، خاصة في ظل الحديث عن منع عدد من الأعضاء المعزولين قضائيًا من الترشح، ما قد يجعل بعض المقاعد شاغرة، ناهيك عن تراجع بريق حزب الأصالة والمعاصرة بالإقليم بعد عزل عبد الكريم شكري، أحد أبرز قياداته.
وإلى أن تتضح الصورة أكثر، يبقى الترقب سيد الموقف داخل جماعة دار بوعزة.


Comments
0