أثار انتباهي أمرٌ قد لا يكون مهمًا جدًا بالنسبة للبعض، لكنه يظل ملاحظةً جديرةً بالاهتمام، لما اكتشفت بأن نظام دراسة الدكتوراه هنا في بلدنا قد لا يستدعي حضور الطالب بشكل يومي أو بالأحرى حضوراً أسبوعياً لمتابعة دروسه بشكل منتظم. هذا الفضول دفعني لكي اتمعن جيداً في هذا الموضوع وكي تكتمل عندي الصورة لأنني درست برنامج الماجستير وأيضاً الدكتوراه في جامعة حكومية بالولايات المتحدة الأمريكية ولاحظت أن الأمر يختلف بشكل ملحوظ. ومن أجل توضيح أوجه الاختلاف هذه، لابد من استعراض بعض المعطيات لفهم هذا الأمر.
فمن الملاحظ أن الدكتوراه في حقيقة الأمر تُعدّ أعلى درجة أكاديمية في منظومة التعليم العالي في بلدنا، إذ تمثل مرحلة متقدمة من التكوين العلمي والبحثي، حيث ينتقل الطالب من متلقٍ للمعرفة إلى منتج لها. غير أن الحقيقة هي أن نجاح هذا المسار لا يتحقق بمجرد اختيار موضوع أطروحة والالتقاء بالمشرف بين الحين والآخر أو ربما لشهور عديدة، والطامة الكبرى هي إن كان هذا المشرف يتلقى علاوة مالية من الوزارة مقابل هذا الاشراف الأكاديمي على هذا البحث، بل إن نجاح هذا المسار يتطلب نظاماً أكاديمياً منظماً يقوم على برامج تكوينية واضحة المعالم، وجدولة زمنية دقيقة، ومقررات دراسية منهجية ومبرمجة بشكل يومي أو أسبوعي منظم، إضافة إلى تدريب بحثي متدرج يستلزم لقاء المشرف بشكل مستمر وبشكل يتحلى بروح المسؤولية الأكاديمية والأخلاقية المطلوبة. وهكذا، فإن غياب هذا التصور المنظم يؤدي غالباً إلى ضعف جودة الخريجين وتراجع مستوى البحث العلمي، وهو ما يظهر بشكل ملحوظ في بعض الأنظمة الجامعية، ومنها حالات عديدة في العالم العربي وحتى في بلدنا أيضاً.
مفهوم التكوين المنظم في الدكتوراه
تشير التجارب الدولية الحديثة إلى أن برامج الدكتوراه الفعالة تعتمد ما يسمى بــ”الدكتوراه المنظمة” أو structured doctoral programs، وهي برامج توفر بيئة بحثية داعمة تشمل التدريب المنهجي، والإشراف المنتظم، وتنمية المهارات المهنية والعلمية، مع متابعة مستمرة لمسار الطالب البحثي، وهذا يستلزم حضوره بشكل مستمر أيضاً. وقد تبين أن الهدف من هذا التنظيم ليس فرض نمط موحد على الباحثين، بل ضمان جودة التكوين وتوفير الدعم العلمي والإداري اللازم لتطوير الباحثين في بداية مسارهم العلمي.
وعادةً ما تتضمن هذه البرامج مرحلتين أساسيتين: مرحلة التكوين المنهجي والتدريسي التي تمتد غالباً لسنتين أو أكثر، ثم مرحلة البحث المكثف وإعداد الأطروحة لمدة سنة أو أكثر. ويشمل التكوين مقررات في التخصص المعمق نفسه، إلى جانب مواد أخرى اختيارية، ومادة منهجية البحث والإحصاء وأخلاقيات البحث وكذلك مادة الكتابة العلمية ومواد أخرى تتعلق بمهارات التدريس الجامعي، إضافة إلى المشاركة في الندوات والمؤتمرات العلمية والزيارات الميدانية وكتابة التقارير الخاصة بها.
أهمية الجدولة الزمنية والمقررات الأسبوعية
إن وجود جدول دراسي منتظم خلال السنوات الأولى من مرحلة الدكتوراه يحقق عدة فوائد أساسية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
1- ترسيخ المنهجية العلمية: حيث يتعلم الطالب كيفية بناء الإشكالية، وتصميم البحث، وتحليل البيانات بطريقة علمية، بالإضافة إلى اعطاءه فرصة لقاء زملائه في الدراسة والاستفادة من النقاش المستمر الذي يمكن أن يدور بينهم.
2- تقليل مدة إنجاز الأطروحة: إذ يساعد التنظيم الزمني على تجنب التسويف وضياع الوقت، ويعطي للطالب الباحث فرصة مراجعة كل ما يكتب وإعادة صياغة كل فصل في الوقت المحدد بدلا من ضياع وهدر للوقت.
3- رفع جودة الإنتاج العلمي: لأن التكوين المنهجي ينعكس على مستوى الأطروحة والمقالات العلمية المنشورة. وهكذا يخول هذا البحث العلمي الدقيق للطالب من أن يوسع معارفه العلمية وتمحيصها حتى تكتسب صبغة المهنية والاحترافية في طريقة البحث.
5- إعداد الباحث للحياة الأكاديمية: عبر التدريب على التدريس والنشر العلمي والعمل ضمن فرق بحث. فالجامعات الأمريكية، على سبيل المثال، تخصص لكل طالب دكتوراه فرصة لتدريس اللغات الأجنبية أو المواد العلمية التي يتقنها، وبذلك يكتسب مهارة التدريس واعداد الاختبارات ومراقبة الطلاب خلال الاختبارات.
وتشير بعض الدراسات التحليلية في هذا المضمار إلى أن الأداء الأكاديمي في المقررات العليا يعد مؤشراً مهماً على احتمال إكمال الدكتوراه، حيث أظهرت دراسة شملت نحو 1955 طالب دكتوراه أن الأداء الأكاديمي السابق والتكوين المنهجي يرتبطان إيجابياً بمعدلات إتمام الدكتوراه وجودة نتائجها.( Verostek, M., Miller, C., & Zwickl, B. (2021). Analyzing admissions metrics as predictors of graduate GPA and whether graduate GPA mediates PhD completion).
واقع الدكتوراه في بلدنا
اعتمد المغرب نظام الإجازة–الماستر–الدكتوراه (LMD) لتحديث التعليم العالي وتحسين جودة التكوين وربطه بالمعايير الدولية. ويهدف هذا النظام إلى تعزيز قابلية تشغيل الخريجين وتحسين جودة المخرجات العلمية.
غير أن التطبيق العملي للدكتوراه في كثير من المؤسسات لا يزال يعتمد بشكل كبير على البحث الفردي وربما دون برنامج تكويني شامل ومنتظم، وحتى إن وجد، فهو قد لا يتعدى سويعات محدودة. ففي حالات عديدة، يقتصر الأمر على تسجيل موضوع الأطروحة واللقاء الدوري بالمشرف، دون حضور منتظم لمقررات أو تكوين منهجي مكثف طوال السنة الدراسية. وقد أشارت بعض النقاشات الأكاديمية إلى أن النظام الدولي للدكتوراه يفترض حضور الطالب المنتظم للدروس والأنشطة العلمية لعدة سنوات، والمشاركة في المؤتمرات والتدريس الجامعي، وهو ما لا يتحقق دائماً في بلدان عدة.
كما تشير المعطيات إلى تسجيل عدد كبير من الطلبة سنوياً في سلك الدكتوراه وفي شعب مختلفة في العالم العربي، حيث يحصل بعضهم على منح دكتوراه خلال خمس سنوات، مما يدل على توسع عدد الباحثين، لكنه يطرح في الوقت ذاته سؤال جودة التأطير والتكوين العلمي المنتظم المطلوب لمواكبة هذا التطور وهذا الكم الهائل من الطلاب الباحثين.
مقارنة بنماذج دولية
في أوروبا وأمريكا الشمالية، على سبيل المثال، تتسم برامج الدكتوراه بعدة خصائص تنظيمية:
▪︎ وجود مقررات إلزامية خلال السنوات الأولى.
▪︎ تقييم دوري لأداء الطالب.
▪︎ نشر مقالات علمية شرطاً للتخرج (وهذا معمول به في المغرب أيضاً).
▪︎ إشراك الطلبة في التدريس الجامعي.
▪︎ توفير بيئة بحثية متعددة التخصصات.
فعلى سبيل المثال، تركز بعض البرامج الأوروبية على التدريب البحثي المكثف وتنمية المهارات المهنية مثل إدارة المشاريع البحثية والكتابة العلمية والتفكير النقدي (critical thinking)، مع متابعة مستمرة لمسار الطالب. وفي الولايات المتحدة، مثل جامعة فيرجينيا الغربية الحكومية والتي درست فيها شخصياً، يكون طالب الدكتوراه مطالب بتحقيق نتائج جيدة في كل الدروس، بالإضافة إلى تقييم جيد لعملية التدريس (teaching practicum) التي يقوم بها وذلك بغية الاستمرار في تلقي المنحة المخصصة لذلك، وإن حصل العكس، يبقى الطالب معرض لفقدان المنحة.
كما تتضمن برامج الدكتوراه في الولايات المتحدة عادة مقررات دراسية مكثفة خلال أول سنتين، يليها امتحان شامل قبل البدء في الأطروحة، وهو نظام أثبت فعاليته في تحسين جودة الباحثين وتقليل نسب الانقطاع.
آثار غياب المناهج المنظمة
إن عدم وجود برنامج تكويني واضح المعالم لسلك الدكتوراه يؤدي لا محالة إلى عدة نتائج سلبية، نذكر منها على الخصوص:
1. ضعف التأهيل المنهجي للباحثين، مما ينعكس على جودة الأطروحات.
2. إطالة مدة الدراسة، حيث قد تمتد الأطروحة لسنوات طويلة دون تقدم واضح.
3. ضعف الإنتاج العلمي، سواء من حيث النشر أو المشاركة في المؤتمرات.
4. انخفاض قابلية التشغيل، لأن الخريج يفتقر إلى المهارات التطبيقية.
5. تراجع سمعة المؤسسات الأكاديمية، نتيجة ضعف مخرجات البحث.
كما يؤدي غياب المقررات الأساسية إلى نقص في المهارات العرضية مثل التواصل العلمي والعمل الجماعي وإدارة المشاريع، وهي مهارات أصبحت ضرورية في سوق العمل الأكاديمي والصناعي.
أهمية التوازن بين المقررات الأساسية والاختيارية
يتطلب برنامج الدكتوراه الناجح توازناً بين:
مقررات أساسية (major courses) في منهجية البحث والنظريات العلمية.
▪︎ مقررات اختيارية (elective courses)تخصصية تعمق المعرفة في مجال محدد.
▪︎ تدريب عملي في المختبرات أو الحقول البحثية.
▪︎ نشاطات علمية مثل المؤتمرات والندوات.
هذا التوازن يضمن تكويناً شاملاً للباحث، يجمع بين العمق التخصصي والمرونة المعرفية.
توصيات لتطوير الدكتوراه في المغرب
الاقتراحات التالية هي نابعة من تجربة شخصية وميدانية كطالب باحث بالولايات المتحدة الأمريكية، وكأستاذ جامعي بدول الخليج وغيرها، وهي تروم بالدرجة الأولى إلى تحسين جودة دراسات الدكتوراه، وبذلك يمكنني اقتراح الإجراءات التالية:
1. إقرار برامج دروس منبثقة من التخصص (major courses) وأخرى اختيارية تكوينية (elective courses) إلزامية لمدة سنتين على الأقل.
2. تحديد جدول زمني واضح لإنجاز الأطروحة.
3. إلزام الطلبة بالنشر العلمي قبل المناقشة.
4. تطوير آليات تقييم دورية لمتابعة تقدم الباحث.
5. تعزيز التعاون الدولي وبرامج الإشراف المشترك.
6.توفير دعم مالي وبحثي مستدام للطلبة.
خاتمة
إن تطوير برامج الدكتوراه ليس مجرد مسألة تنظيم إداري، بل هو استثمار استراتيجي في مستقبل البحث العلمي والتنمية الوطنية. فالدكتوراه المنظمة التي تجمع بين التكوين المنهجي والبحث المتخصص، الذي يتبع منهج الحضور والمشاركة الإلزامية، تساهم في تخريج باحثين قادرين على الابتكار والإنتاج العلمي عالي الجودة. أما الاقتصار على الأطروحة لوحدها دون تكوين منتظم ولا حضور دروس الزامية وكذلك الانخراط في عملية التدريس كجزء من واجبات الطالب الباحث، فيؤدي غالباً إلى ضعف المخرجات العلمية وتراجع مكانة الجامعات في السلم أو الترتيب الدولي.
ومن هنا، فإن إصلاح الدكتوراه في المغرب وغيره من الدول النامية يتطلب رؤية شمولية تقوم على التوازن بين البحث والتكوين وتلقي الدروس بشكل حضوري إلزامي مستمر، وضمان حضور الطالب الأكاديمي المنتظم، وكذلك تواصل المشرف مع الطالب الباحث دون تسويف أو تأجيل للمواعيد، مع إلزام هذا الأخير بمتابعة كل أطوار البحث بشكل دقيق وموثق، دون الاكتفاء بلقاءات متفرقة قد لا تسمن ولا تغني من جوع، وكذلك وربط الدراسات العليا بحاجيات المجتمع وسوق العمل. فالمستقبل العلمي لأي دولة يبدأ من جودة تكوين باحثيها ومدى تحليهم بروح المسؤولية والمصداقية والوطنية والإخلاص في العمل، والدكتوراه المنظمة هي بدون شك الركيزة الأساسية لتحقيق ذلك.
“بقلم عبدالله أهنية كاتب وباحث في مجال التربية والتعليم والثقافة”


Comments
0