في يوم الثلاثاء 6 يناير 2026، كان الزميل سعيد فنيدي حاضرًا بين جدران مقاطعة سيدي عثمان مع زملائه الإعلاميين، منذ الساعة الحادية عشر والنصف صباحًا وحتى حدود الخامسة مساءً، لمتابعة الدورة العادية لشهر يناير 2026. هناك، بدا سعيد كما عهدناه دائمًا: منتبهًا، حريصًا، مدونًا لكل كلمة، لكل مداخلة من مداخلات المستشارين، بلا كلل ولا ملل. كان ينقل الأحداث بشفافية ومسؤولية، وكأن كل دقيقة من وقته مخصصة لخدمة الحقيقة والصحافة، بطريقة تليق بمهنة صاحبة الجلالة، التي أحبها وعاش تفاصيلها بشغف وإخلاص.
وكان سبب تواجده بالمقاطعة واضحًا: نقل الحدث مباشرة للجمهور، متابعة دقيقة لكل النقاشات، والتأكد من أن كل تفصيل يُوثَّق ويصل للقراء بأمانة ودقة. لقد كان هذا التفاني جزءًا من شخصيته المهنية التي لا تقبل التهاون، وكان مثالًا حيًا على كيف يمكن للإعلام أن يكون مرآة للواقع بكل شفافية.
وما جعل اليوم أكثر خصوصية هو أننا كرسنا جميعنا فيه العمل معًا، كلنا، من بداية الدورة إلى نهايتها، نتابع، نسجل، وننقل الحدث بدقة، كما لو أننا نشهد لحظة مصيرية في حياة المهنة مع سعيد، لحظة توحدنا فيها جميعًا حول هدف واحد: خدمة الحقيقة والميدان الإعلامي.
ولكن، وفي صباح يوم الأربعاء 7 يناير 2026، صُدمنا جميعًا بخبر وفاته المفاجئة على إثر حادثة مميتة… لقد كانت صدمة أدمت قلوبنا، بعد أن قضى معنا اليوم السابق يعمل بكل إخلاص، كأن القدر أراد أن يربط بين آخر يوم له في الميدان وبين توديع مهنة كرّس لها حياته.
بعد انتهاء الدورة، تقاسمت مع سعيد ذكريات العمل المشترك، وتذكرنا لحظات خلال أحداث الربيع العربي، حين كان العمل بشجاعة وتفاني بلا حدود.
كان سعيد أكثر من زميل؛ كان رمزًا للأمانة الصحفية، نموذجًا في الدقة والإخلاص، ومرشدًا لكل من حمل القلم والميكروفون. كان يعرف كيف ينقل الحقيقة دون مساومة، وكيف يجعل من كل حدث فرصة لتعليم الآخرين معنى المسؤولية الصحفية.
وفاته المفاجئة تركت فراغًا مهنيًا وإنسانيًا كبيرًا، شعورًا بالوجع لكل من عرفه أو عمل معه. لكنه، في الوقت نفسه، ترك إرثًا خالدًا: إرثًا من المهنية الصادقة، من التفاني الذي لا يعرف الكلل، ومن التواضع الذي جعل منه صديقًا وزميلًا لا يُنسى.
واليوم، ونحن نودعه، نقف عند ذكراه، ونعاهد أنفسنا على الاستمرار في حمل مشعل المهنة بنزاهة واحترافية، وعلى أن تبقى أخلاقه وإخلاصه نبراسًا للجميع. ستظل روحه حاضرة في كل تقرير، في كل متابعة ميدانية، وفي كل لحظة نستلهم فيها معنى الإخلاص والوفاء للمهنة، كأننا نودع أخًا عزيزًا، ترك لنا ذكرى لا تمحى.
نسأل الله أن يتغمد الفقيد بواسع رحمته، وأن يجعل قبره روضة من رياض الجنة، وأن يلهم زملاءه وذويه الصبر والسلوان، ويبقى ذكراه مصدر إلهام لكل من يحمل شعلة الإعلام المهني النزيه.
————
الصورة التقطت للفقيد سعيد فنيدي مع زملاؤه داخل قاعة الاجتماعات بمقاطعة سيدي عثمان يوم الثلاثاء 6 يناير 2026 حيث اجريت دورة يناير ليصبح زملاؤه صباح يوم الأربعاء 2026 على الخبر الصاعقة
إنا لله وإنا إليه راجعون
عدسة: المصطفى العياش


Comments
0