سؤال الهوية في الدراما التلفزيونية المغربية: بين العربية والفرنسية - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أعمدة الرآي

سؤال الهوية في الدراما التلفزيونية المغربية: بين العربية والفرنسية

IMG-20260104-WA0002~2

حين يختل الإيقاع: الفرنسية والعربية في الحوار الدرامي المغربي

لم تعد اللغة في الدراما التلفزيونية المغربية مجرد أداة تواصل بين الشخصيات،بل تحولت إلى عنصر بنيوي يكشف عن اختيارات فنية وثقافية، ويعكس في العمق سؤالاً مقلقًا حول الهوية. فخلال السنوات الأخيرة، أصبح حضور اللغة الفرنسية، أو ما يُسمى بالخطاب الهجين (العربية/الدارجة ممزوجة بالفرنسية أو كما يحلو للبعض تسميتها بالعرنسية)،ظاهرة لافتة في الحوارات الدرامية،سواء في المسلسلات أو الأفلام التلفزيونية،هذا الاختلاط اللغوي،الذي يُقدَّم أحيانًا بوصفه مرآة للواقع الاجتماعي، يثير نقاشًا واسعًا حول أثره على الإيقاع الدرامي، وعلى تلقي الجمهور المغربي،وعلى الذوق العام والسياق الثقافي والاجتماعي للمشهد الإعلامي.

تسعى هذه المقالة إلى مقاربة هذه الظاهرة من زاوية نقدية،انطلاقًا من التيمة المركزية: “سؤال الهوية في الدراما التلفزيونية المغربية: بين الفرنسية والعربية”، مع تحليل الأسباب الكامنة وراء هذا الخيار اللغوي،واستحضار نماذج من بعض الأعمال الدرامية،وطرح تساؤلات حول مستقبل اللغة والهوية في الإنتاج التلفزيوني المغربي.

أولاً: اللغة بوصفها عنصرًا دراميًا (الفرنسية والعربية في الدراما التلفزيونية المغربية: سؤال الهوية بين الضرورة الفنية والارتباك الثقافي)

في البناء الدرامي،تُعد اللغة جزءًا من الإيقاع العام للعمل،وعنصرًا محددًا لعمق الشخصيات وصدقها،الحوار المتماسك،المنسجم لغويًا،يساهم في شدّ المتلقي وإقناعه بالوضع الدرامي،غير أن اللجوء المفرط إلى خلط الفرنسية بالعربية،دون ضرورة درامية واضحة،قد يؤدي إلى كسر هذا الإيقاع،وإحداث نوع من النفور أو التشويش لدى فئات واسعة من الجمهور.

فالانتقال المفاجئ من الدارجة أو العربية إلى الفرنسية داخل الجملة الواحدة،أو بين جملة وأخرى،يقطع التدفق الطبيعي للحوار،ويجعل المشاهد واعيًا بالتصنع/التفدلك، بدل الاندماج في الحدث،وهنا تتحول اللغة من وسيلة لخدمة الدراما إلى عنصر يفرض نفسه عليها.

ثانيًا: أسباب اختلاط الفرنسية بالعربية في الدراما المغربية(الشاشة مرآة مكسورة: اللغة والطبقية والهوية في الدراما المغربية )

يمكن رصد مجموعة من الأسباب التي تقف وراء هذا الاختيار اللغوي:

الإرث الاستعماري: ما تزال اللغة الفرنسية حاضرة بقوة في الإدارة والتعليم وبعض النخب، وهو ما ينعكس تلقائيًا في الأعمال الفنية.

السعي إلى تمثيل الواقع الاجتماعي: يبرر بعض المخرجين والكتاب هذا الخليط بكونه يعكس طريقة حديث فئات معينة من المجتمع، خاصة في المدن الكبرى.

تصور خاطئ للحداثة: يتم أحيانًا ربط استعمال الفرنسية بصورة نمطية عن الرقي الاجتماعي أو التفوق الثقافي،ما يجعلها علامة طبقية داخل النص الدرامي.

تأثير السوق والإنتاج: بعض الأعمال تُنجز بعقلية تجارية، تفترض أن إدماج الفرنسية يمنح العمل بعدًا “عصريًا” أو قابلية للتسويق الخارجي.

غير أن هذه الأسباب، رغم وجاهة بعضها، لا تبرر دائمًا الاستخدام غير المضبوط للغة، خاصة حين يتحول إلى عنصر إقصائي لا يخدم السرد ولا الشخصيات.

ثالثًا: التأثير على الجمهور المتلقي (حين تتكلم الدراما بلسانين: سؤال الهوية في التلفزيون المغربي)

الجمهور المغربي متعدد المستويات الثقافية واللغوية،فبينما قد تستوعب فئة محدودة هذا الخطاب الهجين بسهولة،تشعر فئات أخرى بالتهميش أو الاغتراب،إذ يجد المشاهد نفسه أمام حوار لا يشبه لغته اليومية، ولا يعكس بالضرورة تنوع المجتمع المغربي الحقيقي.

هذا الوضع يخلق مسافة نفسية بين العمل والمتلقي،ويضعف فعل التماهي،الذي يُعد أساس التجربة الدرامية،كما قد يرسخ إحساسًا ضمنيًا بأن اللغة العربية أو الدارجة غير كافيتين للتعبير عن العمق الدرامي أو الحداثة،وهو ما يطرح إشكالًا ثقافيًا خطيرًا.

رابعًا: الانعكاسات على الذوق العام والسياق الثقافي(الدراما التلفزيونية المغربية وسؤال الذوق العام بين العربية والفرنسية )

إن تكرار هذا النموذج اللغوي في الأعمال التلفزيونية يساهم في تشكيل الذوق العام، خاصة لدى الأجيال الصاعدة فالدراما،بما لها من تأثير واسع، تلعب دورًا تربويًا وثقافيًا غير مباشر،وحين تقدم لغة هجينة غير منضبطة،فإنها تكرس ارتباكًا لغويًا،وتضعف الثقة في اللغة الأم،سواء كانت العربية أو الدارجة.

كما أن هذا الاختلاط يعكس صراعًا غير محسوم داخل المجتمع المغربي بين الانتماء للهوية العربية-الأمازيغية الإسلامية،وبين إرث الفرنكفونية،والدراما هنا لا تكتفي بعكس هذا الصراع،بل تساهم أحيانًا في تعميقه بدل مساءلته بوعي نقدي.

خامسًا: نماذج من الدراما التلفزيونية المغربية (من الدارجة إلى الفرنسية:حين يصبح الحوار الدرامي سؤال هوية )

يمكن ملاحظة هذا التداخل اللغوي في عدد من المسلسلات التلفزيونية التي تدور أحداثها في أوساط حضرية أو داخل عالم الأعمال والإدارة،حيث تُستعمل الفرنسية بشكل مكثف في الحوارات، حتى بين شخصيات يُفترض أنها تنتمي إلى بيئات شعبية،في المقابل، نجحت بعض الأعمال القليلة في توظيف اللغة بذكاء،حيث اقتصر استعمال الفرنسية على شخصيات أو مواقف تبررها دراميًا،دون الإخلال بالانسجام العام.

هذه المقارنة تبرز أن الإشكال ليس في حضور الفرنسية في حد ذاته،بل في كيفية توظيفها،وفي مدى خضوعها للضرورة الدرامية وليس للزينة الشكلية.

خلاصة: نحو وعي لغوي درامي(هوية تتلعثم على الشاشة )

إن سؤال الهوية في الدراما التلفزيونية المغربية يمر حتمًا عبر سؤال اللغة،فبين العربية والفرنسية،تقف الدراما أمام خيار ثقافي وفني لا يقل أهمية عن باقي عناصر الإنتاج،المطلوب اليوم ليس إقصاء لغة لصالح أخرى،بل بناء وعي درامي يُحسن الاختيار، ويجعل اللغة في خدمة السرد والهوية معًا.

فالدراما المغربية،إذا أرادت أن تكون صادقة مع ذاتها ومع جمهورها،مطالبة بإعادة الاعتبار للغة بوصفها حاملاً للذاكرة والوجدان،لا مجرد أداة للتمييز الطبقي أو الادعاء الحداثي،عندها فقط يمكن أن تتحول الشاشة إلى فضاء حقيقي لمساءلة الهوية،لا وسيلة مبتذلة للتشويش.

ذ/عبدالهادي سيكي

الأحد 04 ـ 01 ـ 2026

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث