عاد ملف حقوق المهاجرين إلى الواجهة في مدينة سبتة المحتلة، بعد تصاعد التوتر خلال اليومين الأخيرين بين مجموعات من السكان والمهاجرين المقيمين في عدد من شواطئ المدينة، وسط تدخل أمني مكثف تخللتها مواجهات وعمليات تفريق، بالتزامن مع تداول معطيات وتقارير بشأن استخدام الشرطة الإسبانية للرصاص المطاطي ووسائل أمنية أخرى.
وأظهر الفيديو المتداول من موقع الأحداث عناصر أمنية وهي تطلق مقذوفات تبدو مطاطية في اتجاه أشخاص موجودين في محيط تجمعات للمهاجرين، فيما أفادت تقارير إعلامية إسبانية وأوروبية باستخدام الكرات المطاطية والغاز المسيل للدموع خلال مواجهات سابقة في المنطقة، إلى جانب تدخلات أمنية لمنع مجموعات من المحتجين من الوصول إلى أماكن تجمع المهاجرين.
وبصرف النظر عن التسمية التقنية لهذه المقذوفات، فإن مشهد إطلاقها في اتجاه شباب يظهرون، بحسب التسجيل المتداول، في وضعية عُزّل ومن دون مؤشرات واضحة على حمل أسلحة أو تشكيل خطر مباشر، يطرح بحدة سؤالاً أخلاقياً وإنسانياً حول حدود استخدام القوة، ومدى احترام كرامة أشخاص يوجدون أصلاً في وضعية شديدة الهشاشة.
فهؤلاء المهاجرون، في جانب منهم، شباب غادروا بلدانهم بحثاً عن فرصة لحياة أفضل، ويحاولون الوصول إلى أوروبا سعياً وراء العمل وكسب لقمة العيش، وكانت سبتة إحدى نقاط العبور التي ارتبط اسمها بهذه المحاولات. ومهما كان الموقف من الهجرة غير النظامية، فإن ذلك لا يلغي حق الإنسان في المعاملة الكريمة، ولا يعفي السلطات من ضرورة احترام مبدئي الضرورة والتناسب عند استخدام القوة.
وتأتي هذه التطورات في ظل أجواء شديدة التوتر تعيشها سبتة منذ موجة الدخول الجماعي للمهاجرين في 30 يوليوز، والتي خلفت عشرات القتلى، بينما لا يزال آلاف المهاجرين يعيشون في وضعية إنسانية واجتماعية هشة داخل المدينة.
وتثير طريقة استخدام القوة في هذه الأحداث أسئلة جدية حول مدى احترام مبدئي الضرورة والتناسب، خصوصاً عندما تظهر التسجيلات إطلاق مقذوفات في اتجاه أشخاص يبدون في حالة فرار أو تراجع، من دون أن يظهر بوضوح أنهم يشكلون خطرا مباشرا على حياة عناصر الأمن أو على أشخاص آخرين.
فالكرات أو المقذوفات المطاطية، وإن لم تكن رصاصا حيا، يمكن أن تتسبب في إصابات خطيرة، خصوصا إذا أُطلقت من مسافة قريبة، كما يبدو في الفيديو المتداول، أو أصابت الرأس أو الأجزاء الحساسة من الجسم. ولذلك، فإن تصنيفها ضمن وسائل التفريق غير القاتلة أو الأقل فتكاً لا يعني أن استخدامها يصبح مباحاً في جميع الظروف، إذ تظل طريقة استخدامها، والمسافة، والهدف، والظروف المحيطة، عوامل أساسية في تقييم مدى مشروعيتها وخطورتها.
وفي المقابل، فإن استخدام هذه الوسائل قد يكون مشروعاً في بعض الحالات الأمنية، مثل تفريق احتجاجات أو تجمعات غير قانونية عندما تتوافر الشروط القانونية اللازمة، أو التعامل مع أشخاص يشكلون خطراً حقيقياً ومباشراً، بما في ذلك من يستخدمون أسلحة غير مرخصة أو أسلحة بيضاء، وفقا للقانون وقواعد استخدام القوة.
غير أن ذلك لا يلغي ضرورة أن تكون القوة المستخدمة مرتبطة بطبيعة الخطر القائم، وأن تكون متناسبة معه، وأن يتم اللجوء إلى الوسيلة الأقل خطراً كلما كان ذلك ممكناً.
مشهد يطرح أكثر من سؤال
المثير في هذه التطورات أن المهاجرين يوجدون أصلا في وضعية اجتماعية وإنسانية بالغة الهشاشة، بعدما قضى بعضهم أسابيع في العراء وعلى الشواطئ، في انتظار تحديد مصيرهم.
لكن يبقى السؤال المركزي: هل كان استخدام المقذوفات المطاطية، إذا ثبت حدوثه في الحالات التي تظهرها التسجيلات، هو الوسيلة الوحيدة المتاحة أمام الأجهزة الأمنية، أم كانت هناك وسائل أقل خطرا يمكن اللجوء إليها لتوقيف المواجهات ومنع تصعيدها؟
هذه الأسئلة لا تعني الدفاع عن الهجرة غير النظامية، ولا تبرير أي اعتداء على الشرطة أو القوات الأمنية، وإنما ترتبط بمبدأ أساسي في دولة القانون: أن يكون استخدام القوة الأمنية ضرورياً ومتناسباً مع الخطر، وأن تكون الغاية منه حماية الأشخاص ومنع الأذى، وليس تعريضهم لإصابات يمكن تفاديها.
ومع استمرار انتشار تسجيلات مصورة توثق لحظات مختلفة من المواجهات، تبدو الحاجة قائمة إلى توثيق مستقل يحدد بدقة ظروف استخدام المقذوفات المطاطية، والمسافة التي أُطلقت منها، واتجاهها، والأشخاص الذين استُهدفت بها، وما إذا كانت قد تسببت في إصابات.
فالصور والتسجيلات المتداولة وحدها لا تكفي لإصدار حكم قضائي نهائي، لكنها تكفي لطرح أسئلة مشروعة على الجهات المختصة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بإطلاق مقذوفات مطاطية في اتجاه مهاجرين يعيشون أصلاً في ظروف إنسانية صعبة، ويظهر بعضهم في التسجيلات عزلا ومسالمين.
وتبقى سبتة المحتلة أمام اختبار مزدوج: حماية الأمن العام من جهة، وضمان ألا تتحول الأزمة الإنسانية إلى مبرر لاستخدام قوة غير ضرورية أو غير متناسبة ضد أشخاص في وضعية هشة من جهة أخرى.
وفي النهاية، فإن احترام حقوق الإنسان لا يقاس بالشعارات وحدها، وإنما بكيفية التعامل مع الإنسان عندما يكون في أضعف حالاته، حتى عندما يكون مهاجراً أو مخالفاً لقواعد الدخول والإقامة.
فالحدود يمكن حمايتها بالقانون، والأمن يمكن فرضه بالوسائل المشروعة، لكن كرامة الإنسان يجب ألا تصبح جزءا من ثمن تلك الحماية.


Comments
0