فاطمة أومارش: حين يستعيد مهرجان أجذير إيزوران ذاكرة فنانة عايشت رواد الأغنية الأمازيغية | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |متفرقات

فاطمة أومارش: حين يستعيد مهرجان أجذير إيزوران ذاكرة فنانة عايشت رواد الأغنية الأمازيغية

IMG_20260821_175141

يُعتبر تكريم الفنانة فاطمة أومارش، المعروفة في الوسط الفني باسم «طيطڤيط”، ضمن فعاليات الدورة السابعة للمهرجان الدولي “أجذير إيزوران” وإشراف السيد العامل شخصيا على التكريم، أقرب إلى استعادة اسم من ذاكرة الأغنية الأمازيغية بالأطلس المتوسط، وكذلك فتح نافذة على مرحلة عاشتها فنانات وفنانون قبل أن تصبح الثقافة الأمازيغية موضوعاً للاحتفاء الرسمي في المهرجانات الكبرى.

فاطمة أومارش تنتمي إلى جيل من الفنانين الذين لم يجدوا أمامهم، في بدايات مساراتهم، الكثير من الإمكانات التي تسمو برسالتهم الفنية. كان الفن بالنسبة إلى أبناء ذلك الجيل ممارسة مرتبطة بالمجتمع والذاكرة والمناسبات، وكانت الأغنية وسيلة للتعبير وحفظ الموروث، وأحياناً مساحة لطرح قضايا اجتماعية تتجاوز حدود الترفيه.

تشير المعطيات المتداولة حول مسار “تيطڤيط” إلى أنها عاصرت واشتغلت في محيط عدد من الأسماء التي صنعت جزء مهماً من تاريخ الأغنية الأمازيغية في الأطلس المتوسط، من بينها الراحل محمد رويشة والفنان بوعزة العربي، وهو ما يجعل تجربتها جزءاً من جيل فني كان يشتغل في ظروف مختلفة تماماً عن المشهد الحالي.

ولم تكن فاطمة صوت غنائي فقط، إذ ارتبط اسمها أيضاً بإتقان العزف على البندير والإيقاع، وقد تم توثيق بعض أشرطة قديمة لها متداولة على السوشل ميديا.. مستحضرة سنوات شبابها والليالي الفنية التي كانت تشارك فيها.

يقول أحد المغردين عن “تيطفيط”أنه في إحدى السهرات أدهش صوتها إحدى الأميرات التي تقدمت إليها لتعبّر لها عن إعجابها بأدائها وتسألها عما يمكن أن تقدمه لها، وبحسب الرواية المتداولة، كان جواب فاطمة بسيطاً ولافتاً: “أنا ولله الحمد بخير”، وهو جواب تقول الشهادة إنه أثار دهشة الأميرة، التي لم تجد، وفق الرواية نفسها، طريقة للتعبير عن تقديرها للفنانة سوى إهدائها لباساً كانت ترتديه.

قد تبدو الحكاية اليوم تفصيلاً من تفاصيل زمن مضى، لكنها تكشف جانباً من شخصية فاطمة كما يقدمها من عرفوها: فنانة لم يكن الفن بالنسبة إليها سوى استمتاع لحظي ونشوة عابرة، وجزء من حياتها واعتزازها بذاتها.

كما تشير شهادات فنانين ومتابعين كثر تعرضها، إلى جانب أسماء فنية أخرى، للاعتقال والسجن خلال سنوات الجمر والرصاص، غير أن هذه المعلومات، رغم ورودها في شهادة متداولة، تحتاج إلى توثيق تاريخي مستقل قبل تقديمها كحقيقة قطعية. ولذلك فإن الأصح صحفياً القول إن شهادات متداولة تربط اسم فاطمة أومارش، إلى جانب عدد من الفنانين والفاعلين الأمازيغ، بتجارب الاعتقال أو التضييق خلال سنوات الرصاص، في انتظار وثائق أو شهادات موثقة تؤكد تفاصيل هذه الوقائع.

وإذا ثبتت هذه المعطيات من مصادر مستقلة، فإن مسار “طيطفيط” سيحمل بعداً يتجاوز الفن، ليصبح جزء من تاريخ جيل من الفنانين الأمازيغ الذين مارسوا الإبداع في سياق سياسي واجتماعي شديد التعقيد، ما يجعل تجربة فاطمة أومارش جديرة بالاستعادة اليوم ليس فقط كونها فنانة من الماضي، لكن أيضا كونها تمثل جيلاً كان يؤدي وظيفة ثقافية تتجاوز حدود المنصة.

لقد كانت الأغنية الأمازيغية في الأطلس، بالنسبة إلى ذلك الجيل، مستودعاً للذاكرة، ووسيلة لحفظ اللغة والتعبير عن المشاعر والقضايا الاجتماعية، وفضاءً لنقل الحكايات والتجارب من جيل إلى آخر، ومن هذه الزاوية، فإن الحديث عن “طيطفيط” هو حديث عن مرحلة كاملة من تاريخ الفن الأطلسي، وعن فنانين وفنانات لم تكن أسماؤهم دائماً حاضرة في أرشيف المؤسسات الثقافية، رغم حضورهم القوي في ذاكرة الجمهور.

تكريم جاء متأخراً، لكنه ضروري: فصعود فاطمة أومارش إلى منصة التكريم في مهرجان “أجذير إيزوران”، هو تكريم واعتراف لها، ويعتبر أيضا اعتباره موجهاً إلى جيل كامل من حراس الذاكرة الفنية الأمازيغية، والسؤال الذي تطرحه قصتها لا يتعلق فقط بفاطمة، بل بمنظومة كاملة:

كم من فنان وفنانة من جيلها يعيش اليوم بعيداً عن الأضواء؟ وكم من تجربة فنية لم توثق، وكم من أغنية أو حكاية أو لحن أصبح مهدداً بالاندثار لأن أصحابها لم يجدوا من يصغي إليهم في الوقت المناسب؟تكريم الفنان وهو على قيد الحياة يظل أكثر من مجرد احتفال رمزي. إنه اعتراف بأن الذاكرة الثقافية لا تصنعها المهرجانات وحدها، وإنما يصنعها أيضاً أولئك الذين عاشوا الفن في ظروفه الصعبة، وحملوا الأغنية من المجالس والقرى والساحات إلى ذاكرة الأجيال.

تستحق فاطمة أومارش، بما يروى عن مسارها، أن تتحول قصتها من مجرد مناسبة لتكريم عابر إلى مشروع توثيق حقيقي، فإن كانت قد عاصرت أسماء كبيرة من قبيل محمد رويشة وأعشوش، وبوعزة العربي، وشاركت في مرحلة مهمة من تاريخ الأغنية الأمازيغية، فإن شهادتها الشخصية، إن أمكن الوصول إليها وتوثيقها، ستكون مصدراً ثميناً لفهم تلك المرحلة من الداخل.

وفي زمن أصبحت فيه التكنولوجيا تتيح تسجيل الشهادات وحفظها للأجيال القادمة، فإن إنقاذ ذاكرة “طيطفيط” ورفاق جيلها من النسيان لا يحتاج إلى الكثير، بقدر ما يحتاج إلى إرادة توثيقية جادة: تسجيل شهاداتهم، جمع صورهم وأعمالهم، توثيق الأغاني، والتحقق من الروايات المتداولة حول مساراتهم.

فالفنانة التي وقفت ذات يوم على المنصة وأبهرت جمهورها بصوتها، ثم وجدت نفسها في سنواتها الأخيرة بعيدة عن الأضواء، تستحق أن تُقرأ قصتها لا باعتبارها حكاية عن النسيان فقط، بل باعتبارها جزء من تاريخ الأغنية الأمازيغية وذاكرة الأطلس المتوسط، ولعل أجمل ما يمكن أن يخرج به تكريم “طيطفيط” في “أجذير إيزوران” هو أن يتحول التصفيق إلى فعل يتجاوز اللحظة، وأن يصبح التكريم بداية لاستعادة ذاكرة فنانة، وذاكرة جيل كامل من الذين صنعوا الأغنية الأمازيغية قبل أن يصبح لها كل هذا الحضور الذي نراه اليوم.

مسار الفنانة البشوشة المتألقة الثائرة لم يستمر على الوتيرة نفسها، حيث انقلب مجد فاطمة خلال سنواتها الأخيرة من المرض وتدهورت ظروفها الاجتماعية، قبل أن تجد نفسها في وضع إنساني صعب، وقد أفادت لنا -مع الحدث- إلى إقامتها حالياً في دار للمسنين بمدينة مريرت، وهنا تحديداً تكتسب لحظة تكريمها في “أجذير إيزوران” معناها الإنساني، إذ تنتقل الفنانة من هامش الذاكرة إلى واجهة الاحتفاء، ولو بعد عقود من العطاء. الأمر يثير كذلك أسئلة أخرى أكبر وأشمل يمكن العودة إليها في مناسبة أخرى؟؟

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث