مريرت، مناجم تويسيت على صفيح ساخن: بين ضغط القضاء، هشاشة المؤشرات الاجتماعية، وأسئلة الاستدامة  - m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |متفرقات

مريرت، مناجم تويسيت على صفيح ساخن: بين ضغط القضاء، هشاشة المؤشرات الاجتماعية، وأسئلة الاستدامة 

IMG-20260107-WA0013

لا يمكن وصف ما تعيشه شركة مناجم تويسيت اليوم بالمرحلة العابرة بسبب تقلبات النشاط المنجمي أو نزاع تقني مع الإدارة الضريبية، بل وضع مركب تتقاطع فيه أسئلة الاقتصاد بالحقوق وبالاستقرار الاجتماعي لمنطقة كاملة تضم ثلاث جماعات قرويتين (الحمام، أم الربيع) وحضرية (مريرت)، ارتبط مصيرها، منذ عقود، بالمنجم وما يدرّه من فرص شغل ودخل وحركية اقتصادية.

إعلان إضراب المستخدمين المنضوين تحت نقابتين في هذا التوقيت الحرج، وتكرار حوادث الشغل، ووجود ملف قضائي ثقيل الكلفة المالية، كلها عناصر تجعل مستقبل الشركة، وبالتالي مستقبل مئات الأسر بآيت اسگوگو ومريرت، موضوع قلق مشروع ومتزايد.

حيث يُشكل المنجم العمود الفقري للحياة الاقتصادية والاجتماعية بالمنطقة، ويعد مورد رزق بشكل مباشر أو غير مباشر، لٱلاف السكان: عمال، مقاولات مناولة، تجار، ناقلون، حرفيون، وأسر بكاملها تعتمد في معيشتها على استقرار هذا النشاط. لذلك فإن أي اختلال في توازن الشركة لا يظل محصوراً داخل مجال عملها، بل ينتقل فوراً إلى السوق المحلية، وإلى القدرة الشرائية، وإلى السلم الاجتماعي نفسه.

من الزاوية الحقوقية، يطرح الإضراب وتكرار حوادث الشغل سؤالاً مقلقاً حول شروط العمل والسلامة المهنية وحول الإحساس العام للمستخدمين بالأمان الوظيفي والمستقبلي. العامل المنجمي لا يطالب فقط بأجره، بل يطالب قبل كل شيء بالحق في العودة سالماً إلى بيته، وبالاطمئنان على أن الشركة التي يضع فيها صحته وحياته لن تتعامل معه كرقم في معادلة الإنتاج. حين تتكرر الحوادث، وحين يتزايد التوتر الاجتماعي داخل المؤسسة، فإن ذلك يعني أن مناخ الثقة يتآكل، وأن هناك فجوة آخذة في الاتساع بين منطق التدبير المالي ومنطق حماية العنصر البشري.

وأسر هؤلاء العمال ليست خارج هذه المعادلة. كل حادث شغل لا يصيب عاملاً فقط، بل يصيب أسرة كاملة بالقلق والهشاشة وعدم اليقين. وكل حديث عن احتمال تقليص النشاط أو عن مخاطر مالية كبرى يترجم فوراً إلى خوف من البطالة ومن الانزلاق نحو الفقر أو الهجرة القسرية. هنا تتحول المسألة من شأن مهني داخلي إلى قضية اجتماعية بامتياز.

في المقابل، تقدم الشركة في بلاغاتها صورة مالية تحاول أن تبدو مطمئنة: ارتفاع في رقم المعاملات، تحسن في بعض مؤشرات الإنتاج، وانخفاض في المديونية. غير أن هذه الصورة تصطدم بوقائع أخرى لا تقل ثقلاً، أبرزها وجود حكم قضائي ابتدائي يقضي بتغريم الشركة أزيد من 2.3 مليار درهم لفائدة إدارة الجمارك، وهو مبلغ، حتى مع تعليق تنفيذه بسبب الاستئناف، يظل سيفاً مسلطاً على مستقبلها المالي وعلى قدرتها الاستثمارية وعلى هامش المناورة لديها في تدبير الأزمات.

الأخطر من ذلك أن الأرقام نفسها تكشف تراجعاً حاداً في السيولة المتوفرة، ما يعني أن الشركة تشتغل بهوامش أضيق في مواجهة أي طارئ. في مثل هذا السياق، يصبح السؤال مشروعاً: إلى أي حد يمكن الاستمرار في سياسة استثمارية مكلفة دون ضمان استقرار قانوني واجتماعي؟ وإلى أي حد يمكن للعنصر البشري أن يطمئن لمستقبله في مؤسسة تجد نفسها محاصَرة من ثلاث جهات: ضغط قضائي، احتقان اجتماعي، وإكراهات تشغيلية قاسية؟

انعكاسات هذا الوضع على المجتمع المحلي بدأت تظهر بالفعل. أي تباطؤ في نشاط المنجم أو أي توقف جزئي للإنتاج يعني مباشرة تراجعاً في الحركة التجارية، وتأثراً لمداخيل عشرات الأسر غير المرتبطة مباشرة بعقود الشغل مع الشركة، بل بدورة اقتصادية كاملة تتمحور حولها. في مناطق على امتداد آيت اسگوگو: جماعة الحمام، جماعة أم الربيع، جماعة مريرت، حيث البدائل الاقتصادية محدودة،

كل هذه المحددات تجعل من عمل المناجم مسألة وجودية، وليس مجرد مقاولة من بين مقاولات.

لكن ربط مصير منطقة كاملة بمقاولة واحدة هو في حد ذاته معضلة بنيوية. ما يحدث اليوم يكشف هشاشة نموذج تنموي محلي قائم على مورد واحد وعلى فاعل اقتصادي واحد، دون تنويع حقيقي لمصادر العيش. لذلك فإن الأزمة الحالية، مهما كان مآلها القضائي والمالي، يجب أن تُقرأ أيضاً كإنذار اجتماعي وسياساتي حول ضرورة التفكير في تنمية محلية أقل تبعية وأكثر توازناً.

في العمق، ما تعيشه مناجم تويسيت أكبر من أزمة أرقام أو نزاعاً ضريبياً أو توتراً نقابياً، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الشركة والدولة معاً على التوفيق بين منطق الربح ومنطق الحقوق، بين متطلبات الاستثمار وكرامة العمل، وبين استمرارية النشاط الاقتصادي واستقرار المجتمع المحلي. وأي مقاربة لا تضع الإنسان في قلب هذه المعادلة، ستبقى مقاربة قصيرة النظر، حتى لو بدت المؤشرات المالية على المدى القريب مقبولة.

المستقبل القريب سيُظهر ما إذا كان هذا التوتر الحالي سيشكل فرصة لإعادة بناء الثقة وإصلاح عميق في الحكامة الاجتماعية والسلامة المهنية، أم أنه مجرد محطة أخرى في مسار تآكل بطيء قد يدفع ثمنه، في النهاية، ليس فقط المساهمون، بل أساساً العمال وأسرهم وساكنة منطقة بأكملها.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث