في طنجة، حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع تفاصيل البدايات، وجد مسلم نفسه أمام جمهور لم يأتِ فقط لمتابعة حفل موسيقي، بل لاستعادة سنوات من الأغاني والذكريات التي رافقت مسيرته منذ انطلاقته.
السهرة حملت منذ بدايتها إيقاعاً خاصاً، بعدما امتلأت الأجواء بالهتافات وردد الجمهور اسم مسلم بحماس، في استقبال يعكس المكانة التي يحتلها في ذاكرة محبيه، خصوصاً داخل مدينته.
ومع تقدم فقرات الحفل، بدا أن مسلم اختار أن يمنح الماضي مساحة واسعة. فقد عاد إلى عدد من أعماله القديمة التي يعود بعضها إلى أكثر من عشرين سنة، لتبدأ رحلة مختلفة بين ذكريات البدايات وحماس الحاضر.
المفارقة اللافتة أن مرور السنوات لم ينتقص من حضور تلك الأغاني. الجمهور كان يحفظ كلماتها ويرددها بشكل جماعي، لتتحول الخشبة إلى مساحة تستعيد فيها أغانٍ قديمة حياتها من جديد، وسط تفاعل كبير من الحاضرين.
ولم يقتصر التواصل على الموسيقى، إذ حافظ مسلم على حضوره المباشر مع الجمهور، مستحضراً عبارته «جيب العز ولا كحز»، قبل أن يسأل الحاضرين «واجدين؟»، ليأتيه الرد سريعاً من الجمهور الذي حول السؤال إلى لحظة جماعية من الحماس.
لكن خصوصية هذه السهرة تكمن في المكان قبل كل شيء. فطنجة بالنسبة لمسلم ليست محطة عابرة، وإنما المدينة التي ارتبط بها اسمه وبداياته، ولذلك حملت العودة إليها إحساساً مختلفاً، بدا واضحاً في طبيعة التفاعل بينه وبين الجمهور.
وبين أغنيات صنعت ذاكرة جيل، وشعارات تحولت إلى جزء من قاموسه الفني، وجمهور ظل حاضراً بعد سنوات طويلة، قدمت السهرة صورة عن علاقة لا تختصرها الأضواء ولا تنتهي بانتهاء الحفل.
في النهاية، لم تكن ليلة طنجة مجرد عرض موسيقي، بل كانت استعادة لمسار طويل، واحتفاءً بأغانٍ استطاعت أن تعبر الزمن، ولقاءً بين مسلم ومدينة يعرف أن فيها جزءاً من حكايته الأولى.


Comments
0