مشروع قانون المالية لسنة 2027.. رهانات الدولة الاجتماعية بين إكراهات المديونية ومتطلبات التوازنات الماكرو اقتصادية | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |أخبار 24 ساعة

مشروع قانون المالية لسنة 2027.. رهانات الدولة الاجتماعية بين إكراهات المديونية ومتطلبات التوازنات الماكرو اقتصادية

نسخة من مع الحدث ma3alhadet

يمثل مشروع قانون المالية رقم 60.26 للسنة المالية 2027 محطة لاختبار مدى التوافق بين الطموحات المعلنة في البرنامج الحكومي والإمكانات الفعلية للخزينة العمومية. فالميزانية، باعتبارها أداة تنفيذ السياسات العمومية وترجمة الالتزامات إلى اعتمادات مالية وتدابير ضريبية، تعكس توجهاً نحو تحقيق معادلة مركبة تجمع بين تحفيز الدينامية الاجتماعية والاقتصادية، ودعم القدرة الشرائية، وتسريع الأوراش التنموية والاستراتيجية، بما فيها الاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030، مع الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية في ظل ارتفاع المديونية.

وتبرز ملامح المشروع الاجتماعية والجبائية من خلال مجموعة من التدابير الرامية إلى دعم القدرة الشرائية، ولا سيما لدى الأجراء والطبقة الوسطى، وتعزيز العدالة الضريبية. فعلى المستوى الجبائي، يتضمن المشروع إصلاحاً للضريبة على الدخل، من خلال رفع سقف الإعفاء إلى 60 ألف درهم، وتوسيع الشرائح ذات المعدلات المخفضة، وخفض السعر الأقصى إلى 30 في المائة. كما ينص على فرض ضريبة بنسبة 40 في المائة على الأرباح الفائقة لمؤسسات الائتمان وشركات المحروقات التي تتجاوز أرباحها الصافية 100 مليون درهم، إلى جانب إقرار رسوم تصاعدية على السيارات الفاخرة، وتدابير تروم مكافحة التملص الضريبي.

غير أن هذه التدابير تطرح تساؤلات بشأن وتيرة تنزيل الإصلاحات وتوزيع أعبائها، خصوصاً في ظل الأحكام الانتقالية المرتبطة ببعض المقتضيات الجبائية، الممتدة إلى فاتح يناير 2031، فضلاً عن الإعفاءات الجمركية والضريبية المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2032، لفائدة الاتحاد الدولي لكرة القدم وشركائه، وفق الشروط والمقتضيات القانونية المعمول بها. ويعيد هذا التوجه النقاش حول التوازن بين متطلبات تنظيم التظاهرات الدولية وحماية المنافسة وتكافؤ الفرص أمام المقاولات الوطنية.

وعلى مستوى ترسيخ الدولة الاجتماعية وتأهيل الرأسمال البشري، يرصد المشروع أكثر من 40 ملياراً و160 مليون درهم لصندوق دعم الحماية الاجتماعية والتماسك الاجتماعي، لتمويل عدد من التدخلات الاجتماعية، من بينها الدعم الاجتماعي المباشر، الذي يستهدف بلوغ نحو ألف درهم في أفق 2031، فضلاً عن تدابير تتعلق بفواتير الكهرباء التي لا تتجاوز 100 درهم، ورفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 1700 درهم، وتمكين الأرامل من المعاش الكامل ابتداءً من يناير 2027، وفق الشروط المحددة.

كما يتضمن المشروع اعتمادات لدعم السكن، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتشغيل الشباب، وتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، إلى جانب مواصلة إصلاح المنظومة الصحية، بما يشمل إدماج المراكز الاستشفائية في المجموعات الصحية الترابية. ويشمل كذلك تدابير لدعم القدرة الشرائية، من خلال إعفاء القمح واللحوم والماشية من رسوم الاستيراد والضريبة على القيمة المضافة، وفق المقتضيات المقترحة.

وفي المقابل، تثير هذه التدخلات أسئلة بشأن استدامة الأمن الغذائي ومدى قدرة الإنتاج الوطني على تقليص التبعية للأسواق الخارجية. كما تبرز خريطة المناصب المالية، المحددة في 34 ألفاً و454 منصباً، تفاوتاً في توزيع فرص التوظيف بين القطاعات، إذ تستحوذ قطاعات الداخلية والدفاع والسجون على أكثر من 60 في المائة منها، ما يطرح تحديات مرتبطة بتلبية حاجيات القطاعات الاجتماعية، ولا سيما الصحة والتعليم.

أما على المستوى الاقتصادي والتنموي، فيراهن المشروع على الاستثمار العمومي باعتباره إحدى الأدوات الرئيسية لتحفيز النمو، من خلال رصد اعتمادات إجمالية تناهز 227 مليار درهم بالميزانية العامة، يوجه جزء مهم منها إلى البنيات التحتية والتجهيز والماء، بنحو 60 مليار درهم، وإلى القطاع الفلاحي، بنحو 24 مليار درهم.

ورغم أهمية هذه الاعتمادات، يظل أثرها التنموي رهيناً بمدى قدرتها على تعزيز الإنتاجية وتوسيع القاعدة الاقتصادية وخلق فرص الشغل. كما يطرح توجيه جزء من الاستثمارات إلى تدبير الإجهاد المائي وتأهيل البنيات التحتية والاستعدادات المرتبطة بمونديال 2030 تساؤلات حول حجم الموارد المخصصة مباشرة للصناعة والتحول الرقمي والأنشطة ذات القيمة المضافة العالية.

وتتصل هذه الإشكالات أيضاً بالاختيارات الجمركية والضريبية، ولا سيما توسيع الإعفاءات المرتبطة باستيراد الماشية واللحوم والقمح، والتدابير الخاصة بالشركات المتعاقدة مع الاتحاد الدولي لكرة القدم. وهي اختيارات تستدعي تقييم أثرها على تنافسية المقاولات الوطنية، وعلى فرص تطوير الإنتاج المحلي وإحلال الواردات.

ويبرز تحدي التمويل بدوره ضمن أبرز الإكراهات التي تواجه المشروع، في ظل الاعتماد على الاقتراض الداخلي والخارجي لتغطية الحاجيات المالية. كما يتضمن المشروع مقتضيات احترازية، من بينها إمكانية تجميد 15 في المائة من اعتمادات أداء الاستثمار العمومي، وفق الشروط المحددة، وهو ما يطرح تساؤلات بشأن استمرارية تنفيذ البرامج الاستثمارية ومدى تأثرها بتقلبات الظرفية المالية.

وفي مجال الحكامة ومحاربة الفساد، يبرز النقاش بشأن مآل الإصلاحات المرتبطة بتجريم الإثراء غير المشروع وتنظيم حالات تضارب المصالح، باعتبارها من الملفات المتصلة بتعزيز النزاهة والشفافية في تدبير الشأن العام. ويظل تفعيل هذه الأوراش رهيناً باستكمال المسار التشريعي وإرساء آليات قانونية ومؤسساتية واضحة، بما يعزز الثقة في تدبير المال العام والصفقات العمومية.

كما يطرح ملف أسعار الطاقة تحديات مرتبطة بحماية المستهلك والمقاولات الصغرى والمتوسطة، في ظل غياب آليات لتسقيف الأسعار أو ضبط هوامش الربح في مختلف حلقات التوزيع. وقد تثير التدابير الجبائية الإضافية، بحسب انعكاساتها على السوق، مخاوف من انتقال جزء من الكلفة إلى المستهلك النهائي. وفي هذا السياق، لا تتجاوز الاعتمادات المرصودة لصندوق دعم المنافسة والمراقبة وحماية المستهلك وضبط السوق خمسة ملايين درهم، وهو ما يفتح النقاش حول مدى كفاية الموارد المخصصة للقيام بهذه المهام.

وتكشف المؤشرات المالية الواردة في المشروع عن حجم الضغوط التي تواجه الخزينة العمومية؛ إذ يرتقب أن تبلغ المداخيل العادية 482 ملياراً و400 مليون درهم، مع تسجيل رصيد عادي إيجابي يفوق 49 مليار درهم، في مقابل عجز ميزانياتي يناهز 89 ملياراً و600 مليون درهم.

ومع احتساب استهلاك أصل الدين المتوسط والطويل الأجل، ترتفع الحاجيات الإجمالية للتمويل إلى 159 مليار درهم، ما يجعل اللجوء إلى اقتراض 120 مليار درهم، مناصفة بين السوقين الداخلية والخارجية، أحد أبرز خيارات تمويل الميزانية.

وتبرز خدمة الدين العمومي، بما يشمل الفوائد وأصل الدين، ضمن مصادر الضغط على المالية العمومية، إذ تبلغ كلفتها الإجمالية، وفق المعطيات الواردة في المشروع، 115 ملياراً و300 مليون درهم. ويعكس هذا المستوى من الالتزامات أهمية تحقيق توازن دقيق بين تمويل الاستثمار العمومي، وضمان استمرارية البرامج الاجتماعية، والحفاظ على القدرة المالية للدولة.

وخلاصة القول، يجمع مشروع قانون المالية لسنة 2027 بين رهانات اجتماعية وتنموية مهمة وإكراهات مالية متزايدة. فمن جهة، يتضمن تدابير تروم تحسين القدرة الشرائية وتعزيز الحماية الاجتماعية وتوسيع الاستثمار في البنيات التحتية والماء والفلاحة، ومن جهة أخرى، يواجه تحديات مرتبطة بكلفة المديونية وحاجيات التمويل واستدامة التوازنات المالية.

ويظل نجاح هذه الاختيارات مرتبطاً بقدرة الاقتصاد الوطني على تحويل الإنفاق العمومي إلى قيمة مضافة وإنتاج مستدام ومناصب شغل لائقة، مع تعزيز العدالة الضريبية ونجاعة الاستثمار والحكامة الجيدة، بما يتيح توطيد أسس الدولة الاجتماعية دون تعميق الضغوط على المالية العمومية.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث