في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، وتتزاحم فيه المحتويات العابرة على منصات التواصل الاجتماعي، تبرز تجارب شبابية تختار للكلمة مساراً مختلفاً، يجعل من الأدب وسيلة للتأمل والبحث عن المعنى. ومن بين هذه التجارب، تبرز الشابة منار تهروشت، التي تخوض أولى خطواتها في عالم الكتابة من خلال إصدارها الأدبي «رحلة إلى الله»، في محاولة لملامسة أسئلة الذات والإيمان والهداية لدى فئة الشباب.
من الجذور إلى رحاب المعرفة
وُلدت منار تهروشت سنة 2007 بمدينة تمسمان بإقليم الدريوش، ونشأت بين دواوير إيار ومحيط أكنول بإقليم تازة، في بيئة تجمع بين خصوصية المجال الجبلي وعمق الروابط الاجتماعية والثقافية.
وتابعت دراستها الثانوية بثانوية «02 أكتوبر 1955» بأكنول، حيث حصلت على شهادة البكالوريا سنة 2024، قبل أن تلتحق بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ظهر المهراز بفاس، لمتابعة دراستها في تخصص اللغة العربية.
ويشكل هذا المسار، بما يحمله من تنوع جغرافي وثقافي وانتقال إلى الفضاء الجامعي، خلفية إنسانية ومعرفية يمكن أن تسهم في تشكيل تجربتها الأدبية وتوسيع آفاقها التعبيرية.
«رحلة إلى الله».. أسئلة الذات ومعنى الطمأنينة
يستحضر إصدار «رحلة إلى الله» أبعاداً روحية وإيمانية، من خلال تناول رحلة البحث عن الذات واستعادة التوازن الداخلي، في سياق تتزايد فيه التحديات المرتبطة بالتشتت الرقمي وضغوط الحياة اليومية لدى الشباب.
ويقدم العمل، وفق التصور الذي يعكسه مضمونه، تجربة في التأمل والمراجعة الذاتية، تجعل من العودة إلى القيم الدينية، والاهتداء بالقرآن الكريم وسنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مدخلاً لاستكشاف معاني السكينة والأمل وتجاوز لحظات الاضطراب.
ولا تنحصر أهمية هذا النوع من الكتابة في طرح أجوبة جاهزة عن أسئلة الشباب، بل تمتد إلى فتح المجال أمام التأمل والحوار، ومساعدة القارئ على إعادة النظر في علاقته بذاته ومحيطه واختياراته.
حين يصبح الانكسار فرصة للمراجعة
ومن المعاني التي يلامسها العمل إمكانية تحويل التجارب الصعبة، بما فيها الإخفاقات الدراسية والخيبات الإنسانية وفترات الضيق، إلى محطات للمراجعة والنضج واستعادة الأمل، دون اختزال التجارب النفسية المختلفة في تفسير واحد.
وتكمن قيمة الخطاب الروحي، حين يقترن بالوعي والتوازن، في قدرته على منح الإنسان مساحة للتصالح مع ذاته، واستلهام القوة من إيمانه، مع إدراك أهمية الدعم الأسري والاجتماعي والنفسي عند الحاجة.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار قوله تعالى: «أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (سورة الرعد، الآية 28)، بما تحمله الآية من دلالة على الطمأنينة التي ينشدها الإنسان في مسار حياته.
إن تجربة منار تهروشت، وهي تخطو أولى خطواتها الأدبية في سن مبكرة، تفتح نافذة على حضور الأقلام الشابة في المشهد الثقافي المغربي، وعلى إمكانات الكتابة في تناول القضايا الإنسانية والروحية بلغة قريبة من اهتمامات الأجيال الجديدة.
فالأدب، في أحد أبعاده النبيلة، ليس مجرد كلمات تُقرأ، بل مساحة لاكتشاف الذات، ومساءلة الواقع، واستعادة المعنى. ومن هنا، تكتسب المبادرات الأدبية الشبابية قيمتها حين تنجح في الجمع بين صدق التجربة، وجودة التعبير، واحترام وعي القارئ وحقه في التفكير والاختيار.


Comments
0