لم يكن افتتاح ملعب بوسكورة الرياضي مجرد تدشين لمنشأة جديدة، بل شكّل بالنسبة إلى أبناء المدينة لحظة طال انتظارها، وأعاد الأمل إلى العديد من الأطفال والشباب الذين يرون في كرة القدم طريقًا لاكتشاف مواهبهم وتطوير قدراتهم وتحقيق طموحاتهم الرياضية.
ومع انطلاق التحضيرات للموسم الكروي 2026-2027، بدأت المدارس الرياضية والأندية في الاستعداد للاستحقاقات المقبلة، في مشهد يعكس أهمية هذه المنشأة بالنسبة إلى الحركة الرياضية المحلية.
لكن هذا الحماس يجب أن يرافقه وعي بالمسؤولية، خصوصًا في ما يتعلق بتكاليف الانخراط والتدريب. فبوسكورة تضم أسرًا تعيش أوضاعًا اجتماعية متفاوتة، وبين أبنائها مواهب كروية حقيقية قد تضيع فرصتها فقط بسبب ارتفاع تكاليف الممارسة الرياضية.
ومن هنا، فإن المدارس الرياضية مطالبة بالتحلي بالمسؤولية الاجتماعية، واعتماد أثمنة معقولة ومراعاة ظروف الأسر، حتى لا تتحول الرياضة من وسيلة للتربية والتكوين واكتشاف المواهب إلى نشاط يستفيد منه فقط القادرون على تحمل تكاليفه.
فالطفل الموهوب لا ينبغي أن يحرم من فرصة تطوير موهبته بسبب الوضع المادي لأسرته، والملعب الذي انتظرته ساكنة بوسكورة سنوات طويلة يجب أن يكون فضاءً مفتوحًا أمام أبناء المدينة، في إطار قانوني ومنظم يضمن تكافؤ الفرص للجميع.
كما أن المدارس الرياضية التي تمثل عصبة الدار البيضاء لكرة القدم مطالبة بأن تكون جزءًا من هذا المشروع الرياضي، من خلال تكوين جيل جديد من اللاعبين، والبحث عن المواهب داخل مختلف أحياء المدينة، وعدم الاكتفاء بمنطق الانخراطات والأرقام.
وفي الجانب الآخر، تجد الأندية التي تمثل مدينة بوسكورة نفسها اليوم أمام اختبار حقيقي. فقد كان غياب الملاعب لسنوات من أبرز الإكراهات التي واجهت العمل الرياضي، أما اليوم فقد أصبح الملعب متوفرًا، وأصبح من الضروري الانتقال من مرحلة تبرير الإكراهات إلى مرحلة تحقيق النتائج.
كما أن الدعم العمومي والمنح الموجهة للأندية يفترض أن تترجم إلى عمل ميداني واضح، واستثمار حقيقي في الفئات الصغرى، وتحسين مستوى المنافسة، والارتقاء تدريجيًا من قسم إلى آخر، بما يتناسب مع مكانة مدينة بوسكورة وإمكانياتها البشرية.
وهنا تطرح مجموعة من الأسئلة نفسها بإلحاح: هل ستمنح الأندية الأولوية لأبناء بوسكورة؟ وهل سيتم اكتشاف المواهب المحلية وتأهيلها ومنحها فرصة حقيقية للعب ضمن فرق المدينة؟ أم سيستمر تجاهل الطاقات المحلية والبحث عن لاعبين من خارج المدينة؟
إن أبناء بوسكورة اليوم ينتظرون إجابات عملية، وليس مجرد شعارات. فالملعب موجود، والإمكانيات متوفرة، والطاقات البشرية موجودة، وبالتالي فإن المرحلة المقبلة تتطلب رؤية رياضية واضحة ومسؤولية أكبر من طرف المسيرين.
وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تكون الاستفادة من الملعب مؤطرة بشكل دقيق، حتى لا تتحول المنشأة إلى مجال مفتوح أمام جمعيات أو أندية من خارج المدينة لتأسيس فروع واستغلال المرافق، بينما يبقى أبناء بوسكورة الذين انتظروا هذا الملعب محرومين من الاستفادة الكافية منه.
المطلوب ليس إقصاء أي جهة، وإنما ضمان الأولوية والعدالة والشفافية، حتى يستفيد الجميع وفق معايير واضحة، مع إعطاء أبناء المدينة حقهم الطبيعي باعتبارهم المستفيد الأول من هذه المنشأة.
ومن هذا المنطلق، تبقى مواكبة السيد عامل إقليم النواصر والجهات المحلية المختصة ضرورية لضمان حسن تدبير الملعب، وتتبع كيفية توزيع أوقات الاستفادة، والحرص على احترام القواعد المنظمة، حتى لا تكون هناك مساحة لأي استغلال أو تمييز أو إقصاء.
إن نجاح ملعب بوسكورة لن يكون فقط في عدد المباريات التي ستقام فوق أرضيته، وإنما في قدرته على اكتشاف المواهب، واحتضان الأطفال والشباب، وتطوير الرياضة المحلية، وإعطاء المدينة لاعبين قادرين على تمثيلها ورفع اسمها في مختلف المنافسات.
اليوم، الملعب موجود، والفرصة أصبحت متاحة، والكرة في ملعب الأندية والمدارس الرياضية والمسيرين. المطلوب هو العمل، التكوين، الشفافية، والاعتماد على أبناء المدينة.
نعم لملعب يخدم شباب بوسكورة، نعم للمدارس الرياضية الجادة، نعم لدعم الأندية، ونعم لاكتشاف المواهب… ولا لاستغلال حاجة الأسر، ولا لإقصاء أبناء المدينة من حقهم في الرياضة.


Comments
0