واشنطن تعيد رسم مستقبل المينورسو ومقترح الحكم الذاتي بالصحراء المغربية. | m3aalhadet مع الحدث
قالب مع الحدث |culture

واشنطن تعيد رسم مستقبل المينورسو ومقترح الحكم الذاتي بالصحراء المغربية.

IMG-20261024-WA0012

بعد أكثر من ثلاثة عقود على تأسيسها، تجد بعثة الأمم المتحدة في الصحراء، المعروفة اختصارا بـ”المينورسو”، مستقبلها مطروحا على طاولة النقاش داخل مجلس الأمن. فالمسودة الأمريكية الجديدة لا تكتفي بمراجعة ولاية البعثة أو إعادة النظر في حجم حضورها الميداني، بل تفتح الباب أمام تغيير أوسع، يمس طبيعة مهمتها ودورها في تدبير النزاع.فمنذ إحداثها سنة 1991، بموجب قرار مجلس الأمن رقم 690، اضطلعت البعثة بمهمة الإشراف على وقف إطلاق النار، والتحضير لاستفتاء لتقرير المصير. غير أن الخلافات بشأن تحديد الهيئة الناخبة وشروط تنظيم الاستفتاء حالت دون إخراجه إلى حيز التنفيذ، لتتحول المهمة الأممية، مع مرور السنوات، إلى أحد عناوين جمود المسار السياسي.اليوم، تقترح واشنطن مقاربة مختلفة، تجعل من الحكم الذاتي المغربي الموسع والمحيّن، تحت السيادة المغربية، أساسا للمفاوضات، وتمنح هذا المقترح موقعا مركزيا في تصورها للحل السياسي. وهو تحول، إن استقر في الصيغة النهائية للقرار، لن يقتصر على إعادة ترتيب مهام البعثة، بل سيمتد إلى طبيعة المرجعية التي يستند إليها المسار التفاوضي.المسودة الصفرية، المؤرخة في 20 أكتوبر الجاري، تطرح تحولا تدريجيا في الحضور الأممي الميداني. فمن بين أبرز مقتضياتها، تقليص عدد عناصر البعثة بنسبة خمسين في المائة بحلول نهاية يناير 2027، وإغلاق بعض المواقع الميدانية ودمج أخرى، تمهيدا لإنهاء مهام حفظ السلام بصيغتها الحالية مع نهاية أبريل من السنة نفسها.وفي مقابل هذا التقليص، تطلب المسودة من الأمين العام للأمم المتحدة إعداد خطة مفصلة بشأن شكل البعثة السياسية الجديدة، واختصاصاتها ومواردها، بما يضمن استمرار الانخراط الأممي في دعم المفاوضات ومواكبة العملية السياسية.وبذلك، لا يتعلق الأمر، وفق التصور الذي تقترحه المسودة، بمجرد تقليص الوجود الأممي، وإنما بإعادة توجيه وظيفته: من حضور ميداني ارتبط طويلا بوقف إطلاق النار، إلى آلية سياسية يُنتظر أن تتمحور حول مواكبة جهود التسوية.سياسيا، تجدد المسودة دعمها للأمين العام للأمم المتحدة، ولمبعوثه الشخصي إلى الصحراء، ستافان دي ميستورا، كما تثمن الجهود الدبلوماسية الأمريكية الرامية إلى الدفع بالعملية التفاوضية، بمشاركة المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا.وفي هذا السياق، يبرز البعد الإنساني باعتباره أحد الملفات التي لا يمكن أن تنتظر حسم الخلاف السياسي. إذ تدعو المسودة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى إنجاز تسجيل شامل للاجئين في مخيمات تندوف خلال ستة أشهر، وفق القانون الدولي والمعايير المعمول بها. وهو مقتضى يعيد إلى الواجهة أسئلة قديمة بشأن الحماية الإنسانية، ودقة المعطيات المرتبطة بأوضاع اللاجئين.ولا يقف التغيير المقترح عند حدود الاختصاصات والانتشار الميداني، بل يمتد إلى هوية البعثة نفسها، من بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية (MINURSO) إلى بعثة الأمم المتحدة للصحراء الغربية (MINUSO)، في دلالة على التحول الذي تسعى المسودة إلى إرسائه في طبيعة المهمة الأممية.كما تدين المسودة الهجوم الذي استهدف مدينة السمارة في 5 ماي 2026، وتدعو الأطراف إلى احترام وقف الأعمال العدائية، والامتناع عن كل ما من شأنه تقويض فرص التفاوض أو عرقلة الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي.ومع ذلك، فإن قوة المضامين التي تتضمنها المسودة لا تعني أن مسار التغيير حُسم نهائيا. فهي، في نهاية المطاف، مشروع أولي يخضع لمشاورات أعضاء مجلس الأمن ومفاوضاتهم، وقد تعرف صيغته تعديلات قبل اعتماد أي قرار نهائي. وبين ما تقترحه واشنطن وما يمكن أن يستقر عليه المجلس، تظل المسافة مفتوحة على احتمالات متعددة.وتزداد أهمية هذا الاختبار في ظل تلويح جبهة البوليساريو بمقاطعة المفاوضات، بما يضع جدية الانخراط السياسي أمام امتحان حقيقي. فإعادة صياغة دور البعثة، مهما بلغت أهميتها، لا تكفي وحدها لإنهاء النزاع، ما لم تواكبها إرادة سياسية قادرة على تحويل المرجعيات والمبادرات إلى خطوات تفاوضية ملموسة.هنا، تحديدا، يكمن السؤال الأهم: هل تنجح المقاربة الجديدة في نقل الملف من إدارة نزاع طال أمده إلى هندسة تسوية قابلة للحياة؟ أم أن حسابات الأطراف وإكراهات التوافق الدولي ستعيد إنتاج حالة الانتظار، وإن بأدوات مختلفة؟المؤكد أن المسودة، بصيغتها الحالية، تطرح تحولا لافتا في المقاربة الأمريكية لمستقبل “المينورسو”، وتضع الحكم الذاتي المغربي في صلب التصور المقترح للحل السياسي، كما تفتح نقاشا غير مسبوق بشأن مستقبل الحضور الأممي في المنطقة.ففي قضية استنزفت عقودا من الزمن والجهد الدبلوماسي، لم يعد الرهان مقتصرا على كسب جولة جديدة داخل مجلس الأمن، بل على امتلاك الشجاعة السياسية للانتقال من منطق تدبير الخلاف إلى بناء تسوية تنهي معاناة الانتظار، وتفتح أمام المنطقة أفقا أكثر استقرارا.

Leave a Reply

1000 / 1000 (Number of characters left) .

Terms of publication : Do not offend the writer, people, or sacred things, attack religions or the divine, and avoid racist incitement and insults.

Comments

0
Commenters opinions are their own and do not reflect the views of m3aalhadet مع الحدث